الاستسلام يكسر الوطن
كتب باسم الموسوي :
ثمة سرديّة تتكرّر في الخطاب السياسي المعاصر، تقوم على تحميل ظواهر بعينها مسؤولية انهيار الكيانات، فيما يجري إغفال الشروط البنيوية التي أنتجت تلك الظواهر أصلاً. هذه السرديّة لا تكتفي بتشخيص مغلوط، بل تعيد ترتيب علاقة الأسباب والنتائج بحيث يبدو ردّ الفعل وكأنه هو العلّة، ويُقدَّم العارض بوصفه أصل المرض.
أولى مشكلات هذا التصوّر أنه يفترض إمكانية قيام كيان سياسي محايد داخل بيئة صراعية عدوانية. وكأنّ الامتناع عن امتلاك أدوات القوة يضمن الحياد، أو يوفّر الحماية. غير أن التجربة التاريخية تُظهر العكس تماماً: الكيانات التي نزعت عن نفسها عناصر الردع لم تُعفَ من الصراع، بل تحوّلت إلى ساحات مفتوحة له. الحياد في نظام دولي غير متكافئ ليس خياراً ذاتياً خالصاً، بل موقعاً يُفرض على الضعيف حين يعجز عن فرض شروطه. لذلك فإن الدعوة إلى تقليص عناصر القوة الذاتية تحت عنوان «تفادي الانهيار» لا تنتج استقراراً، بل تُمهّد لإعادة إنتاج الهيمنة بأشكال أكثر مباشرة.
تتعمّق المشكلة حين يُعاد تعريف الصراع من كونه علاقة مع الخارج إلى كونه انقساماً داخلياً صرفاً. هذا التحويل ليس بريئاً، إذ يغيّر مركز الثقل: من مواجهة بنية هيمنة إلى إدارة نزاع أهلي. عندها يُعاد تعريف «العدو» و«الخطر»، وتُحمَّل القوى التي تمارس وظيفة ردعية مسؤولية التوتر، بينما تُهمَّش الأفعال التي أطلقت هذا التوتر أساساً. هكذا يتحوّل الخارج إلى عامل ثانوي، ويغدو الداخل هو ساحة الاتهام الوحيدة.
ضمن هذا الإطار، يبرز مفهوم «الاحتلال الداخلي» كأداة خطابية ملتبسة. فهو يساوي بين ظواهر سياسية داخلية – مهما كانت محل نزاع – وبين سيطرة خارجية تمارس القتل والتدمير والفرض القسري للوقائع. هذا التماثل يُفضي إلى نتيجة خطيرة: نزع الطابع الاستثنائي عن الاحتلال الفعلي، وتذويب الفارق بينه وبين الصراعات الداخلية. بذلك يُعاد ترتيب سلّم الأولويات، بحيث يصبح الصراع الداخلي هو الأصل، بينما يُدفع العامل الخارجي إلى الهامش.
كذلك، فإن تفسير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بوصفها نتاجاً حصرياً لبُنى داخلية يتجاهل شبكة العوامل الأوسع التي تشكّل هذه الأزمات. فالتدخلات الخارجية، والعقوبات، وإعادة هندسة الاقتصادات الهشّة، كلها عناصر فاعلة في إنتاج الانهيار. ومع ذلك، يجري أحياناً القفز فوق هذه المعطيات، ليُقدَّم الداخل كمصدر وحيد للأزمة، في حين يُعاد تصوير الخارج كمصدر محتمل للإنقاذ. هذه الازدواجية تكشف رؤية انتقائية: الخارج يُدان حين يتدخّل سياسياً، ويُستدعى حين يُنتظر منه الدعم الاقتصادي، من دون مساءلة لشروط هذا الدعم أو تبعاته.
في العمق، يقوم هذا التصوّر على إنكار بُعد أساسي في تعريف الكيان السياسي: القدرة على اتخاذ القرار في لحظة الخطر. فالدولة لا تُعرَّف فقط بمؤسساتها، بل بقدرتها على حماية نفسها وتحديد موقعها في الصراع. حين يُطلب منها أن تتخلّى عن هذه القدرة بحجة الحفاظ على السلم، فإنها لا تُنقَذ، بل تُفرَّغ من مضمونها. إذ يصبح وجودها شكلياً، بينما تُنقل قراراتها الفعلية إلى خارجها.
من هنا، فإن تصوير أدوات القوة الذاتية كسبب للانهيار ينطوي على مغالطة مزدوجة. فهو أولاً يتجاهل أن هذه الأدوات نشأت في سياق تهديد قائم، وثانياً يفترض أن غيابها سيؤدي إلى تلاشي التهديد نفسه. غير أن التهديدات لا تزول بإنكارها، بل تتعاظم حين تُواجه بفراغ. وما يبدو كدعوة إلى «الواقعية» يتحوّل، عند التدقيق، إلى شكل من أشكال التكيّف مع ميزان قوى مختلّ، لا إلى محاولة تعديله.
أما على مستوى الخطاب الاجتماعي، فإن الربط المباشر بين التوترات الأهلية ووجود قوى مقاومة يتجاهل طبيعة الانقسامات البنيوية السابقة. فالانقسامات الطائفية والسياسية لم تنشأ من فراغ، بل لها جذور تاريخية عميقة. تحميل عامل واحد مسؤولية تفجيرها يختزل تعقيدها، ويحوّلها إلى أداة تفسير جاهزة. بذلك يُختزل المجتمع إلى ردّ فعل آني، بدل أن يُقرأ في سياقه التاريخي المركّب.
في النهاية، ما يبدو كتشخيص لأزمة وطنية ينطوي على إعادة تعريف لها بطريقة تُفرغها من سياقها الفعلي. فبدلاً من النظر إلى الكيان السياسي كنتاج توازنات قوى داخلية وخارجية، يجري اختزاله في بُعد واحد، وتُحمَّل عناصر محددة مسؤولية ما هو أوسع منها بكثير. والنتيجة ليست فهماً أدقّ، بل تعميماً يُخفي أكثر مما يكشف.
الكيانات لا تنهار لأنها تمتلك أدوات دفاع، بل حين تفقد القدرة على توظيفها ضمن رؤية سياسية متماسكة. والانقسام لا يُعالج بنزع عناصر القوة، بل بإعادة تنظيمها ضمن إطار جامع. أما نقل المشكلة من موقعها الفعلي إلى موقع بديل، فهو لا يحلّها، بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر التباساً.
المشكلة الأعمق في هذا النمط من الخطاب ليست في تعميمه فحسب، بل في انتقائيته الصارخة: فهو يعيد سرد المشهد من دون الفاعل المركزي فيه. تُروى الحروب كأنها تنشأ ذاتياً داخل المجتمعات، وتُقدَّم الانقسامات كأنها عِلَل داخلية مكتفية بذاتها، بينما يجري تغييب القوة التي تُنتج هذا السياق وتغذّيه وتستثمر فيه.
حين يُحذف العامل الخارجي من التحليل، لا يكون ذلك مجرد نقص، بل إعادة كتابة للواقع. فالمنطقة لم تدخل طور العنف من تلقاء نفسها، ولم تتحول إلى ساحة مفتوحة بسبب ديناميات داخلية فقط، بل نتيجة تراكب مشروعين واضحين: مشروع استيطاني توسّعي يمارس العنف بوصفه سياسة، ومشروع إمبراطوري يستخدم هذا التوسّع أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاقتصادي في الإقليم. تجاهل هذين المستويين هو، عملياً، إلغاء لبنية الصراع نفسها.
الخطاب الذي يُدين «الردّ» ويتجاهل «الفعل المؤسِّس» يرتكب مغالطة أخلاقية ومعرفية في آن. إذ يُحاسِب النتيجة ويُعفي السبب. تصبح المشكلة في «الاستجابة» لا في العدوان الذي استدعاها. وهنا يُعاد تعريف العنف: العنف الذي يمارسه الأقوى يُقدَّم كخلفية صامتة، بينما يُضخَّم أي ردّ عليه بوصفه تهديداً وجودياً للنظام الاجتماعي. بهذا المعنى، لا يُنكر هذا الخطاب العنف، بل يعيد توزيعه دلالياً: يجرّده من مصدره ويُلصقه بضحاياه.
الأخطر أن هذا الإغفال ليس بريئاً معرفياً، بل يؤدي وظيفة سياسية واضحة: نقل مركز الاتهام من الخارج إلى الداخل. فبدلاً من مساءلة القوة التي تشنّ الحروب، وتفرض العقوبات، وتعيد رسم التوازنات بالقوة، يجري تركيز الضوء على المجتمعات نفسها، وكأنها هي التي تُنتج مأساتها. هذا النقل يُفضي إلى نتيجة واحدة: تبرئة غير مباشرة للفاعل الخارجي، وتحميل الضحية عبء تفسير ما جرى لها.
وليس خافياً أن هذا التغييب يتناقض حتى مع شهادات صادرة من داخل المنظومة الغربية نفسها. فقد أشار Joseph Kent، في سياق نقده للسياسات الأميركية، إلى أن الحروب في المنطقة لا تُفهم بوصفها ردود أفعال، بل كجزء من هندسة استراتيجية تُبقي المنطقة في حالة سيولة دائمة. هذه ليست قراءة «مؤامراتية»، بل توصيف صادر عن موقع خبرة داخل تلك البنية نفسها، يؤكد أن إشعال الصراعات ليس عرضاً جانبياً، بل أداة من أدوات إدارة النفوذ.
من هنا، يصبح الحديث عن «تفجّر الداخل» بمعزل عن هذه الهندسة نوعاً من التجريد المضلِّل. فالتوترات الأهلية، مهما بلغت، لا تنشأ في فراغ، بل ضمن بيئة مُنتَجة سياسياً وأمنياً. حين تُقصف البنى التحتية، وتُفرض العقوبات، ويُعاد توزيع الموارد بالقوة، فإن النسيج الاجتماعي لا ينهار بفعل ذاته، بل تحت ضغط مستمر يُعيد تشكيله.
أما تصوير القوى التي تحاول الردّ على هذا الضغط بوصفها «سبب الأزمة»، فهو قلب كامل للمعادلة. إذ يُطلب من المجتمعات أن تتجاهل مصدر التهديد، وأن تُحمّل أدوات دفاعها مسؤولية ما يحدث لها. وهذا ليس تحليلاً، بل إعادة ضبط للوعي: تحويل الانتباه من الفاعل إلى المفعول به، ومن القوة المُنتِجة للعنف إلى ردود الفعل عليها.
بهذا المعنى، فإن الخطاب الذي يتجاهل العدوانية الصهيونية، ويغضّ الطرف عن الدور الإمبراطوري الأميركي في إدارة الصراع، لا يقدّم تفسيراً ناقصاً فحسب، بل يقدّم تفسيراً مقلوباً. إنه لا يخطئ في التفاصيل، بل في البنية نفسها. لأنه يبدأ من فرضية خاطئة: أن الأزمة داخلية بالدرجة الأولى، وأن الحل يكمن في تفكيك عناصر القوة الذاتية، لا في فهم شبكة القوى التي تُنتج الصراع.
والنتيجة النهائية لمثل هذا المنظور واضحة: نزع الشرعية عن أي محاولة للمقاومة، وتقديم الخضوع بوصفه الطريق الوحيد لتفادي الانهيار. لكن هذا الطريق، تاريخياً، لم يؤدِّ إلى استقرار، بل إلى تثبيت اختلال ميزان القوى، وإدامة الشروط التي تُنتج الأزمات نفسها.
تهمة أنّ «المقاومة تكسر الوطن» ليست توصيفاً محايداً، بل بناءٌ سرديّ يقوم على قلب العلاقة بين ما يُنتِج الانهيار وما يحاول الحدّ منه. فهي تفترض، ضمناً، أنّ الوطن كان متماسكاً ثم جاء عاملٌ واحد ففجّره، بينما الواقع يشير إلى بنية ضغطٍ مستمرّ تمارسها قوة خارجية عدوانية، تُعيد تشكيل التوازنات الداخلية وتستثمر في هشاشتها.
أول ما ينبغي تفكيكه هو هذه العلاقة السببية المقلوبة. فالوطن لا يتصدّع لأنّ فيه قوى مقاومة، بل لأنّه واقع تحت تهديد دائم: اعتداءات، اختراقات، عقوبات، وحروب تُفرض عليه. في مثل هذا السياق، تظهر المقاومة كاستجابة وظيفية لخلل في ميزان القوى، لا كسبب له. تحميلها مسؤولية «الكسر» يعني تجاهل العامل الذي وضع الوطن أصلاً في موقع الكسر.
ثم إن هذه التهمة تقوم على افتراض معياري خطير: أنّ الاستقرار يُبنى عبر نزع أدوات الردع. أي أنّ الحلّ يكمن في تفكيك القوة الذاتية لا في إعادة تنظيمها. لكن هذا الافتراض يتجاهل أن الكيانات التي فقدت قدرتها على الدفاع عن نفسها لم تُحافِظ على وحدتها، بل فقدتها بسرعة أكبر. لأنّ الوحدة ليست حالة شعورية أو أخلاقية، بل هي أيضاً نتيجة توازن قوى يحميها من التفكك تحت الضغط الخارجي.
في هذا السياق، يصبح القول إن «المقاومة تكسر الوطن» شبيهاً بالقول إن جهاز المناعة هو سبب المرض لأنه يُنتج أعراضاً التهابية. ما يُرى كـ«توتر» أو «احتكاك داخلي» ليس بالضرورة دليلاً على أنّ المقاومة تُفجّر المجتمع، بل قد يكون أثراً لصراع أوسع يُعاد تموضعه داخلياً. تجاهل هذا البعد يُحوّل الأعراض إلى أسباب، ويُغفل المرض نفسه.
كذلك، فإن هذا الخطاب يتجاهل عمداً طبيعة الانقسامات الداخلية. فالمجتمعات التي يُقال إنها «تفجّرت» لم تكن متجانسة أصلاً، بل تحمل في بنيتها توترات تاريخية، طائفية، واقتصادية. هذه التوترات تُستثار وتُضخَّم تحت ضغط خارجي مستمر، لا تُخلق من العدم. ربطها بعامل واحد يختزل التعقيد، ويحوّل ظاهرة مركّبة إلى تفسير مبسّط يخدم غرضاً سياسياً واضحاً.
الأخطر أن هذه التهمة تُعيد تعريف مفهوم الوطن نفسه. إذ يُقدَّم الوطن ككيان هشّ لا يحتمل أي ممارسة للقوة خارج إطار الدولة الرسمية، حتى لو كانت هذه الدولة عاجزة عن أداء وظيفة الحماية. هنا يُطرح خيار زائف: إمّا دولة ضعيفة بلا قدرة ردع، أو «فوضى» تُحمَّل مسؤوليتها للمقاومة. لكن هذا الطرح يتجاهل احتمالاً ثالثاً: إعادة بناء الدولة على أساس توازن فعلي للقوة، لا على نزعها.
كما أن هذه السردية تتغافل عن أنّ كثيراً من مظاهر «تفكك الوطن» – من نزوح، وانهيار اقتصادي، وتوتر اجتماعي – ترتبط مباشرة بالحروب والضغوط الخارجية. حين تُدمَّر البنى التحتية وتُفرض القيود المالية وتُستنزف الموارد، فإن المجتمع يتشظّى. لكن بدلاً من ربط هذه النتائج بمصدرها، يجري نقل المسؤولية إلى الداخل، وتحديداً إلى القوى التي تحاول الردّ على هذا الواقع.
في العمق، هذه التهمة تؤدي وظيفة سياسية واضحة: نزع الشرعية عن أي شكل من أشكال المقاومة، عبر تصويرها كخطر داخلي يفوق الخطر الخارجي. وبذلك يُعاد ترتيب الأولويات: يصبح المطلوب هو «حماية الوطن من نفسه»، لا حمايته من العدوان الذي يهدّده. وهذا التحويل هو جوهر التضليل.
الحقيقة أن الوطن لا يُكسر حين يدافع عن نفسه، بل حين يُطلب منه أن يتخلى عن شروط هذا الدفاع. وأن أخطر ما يمكن أن يصيبه ليس وجود قوة ردعية داخله، بل اقتناعه بأن هذه القوة هي مشكلته الأساسية. عندها فقط يصبح الكسر ممكناً، لأنّه يكون قد فقد وعيه بمصدر التهديد الحقيقي، واستبدله بسردية تُحمّله مسؤولية ما يُفرض عليه.


