جنوب لبنان متروك لقدره... والشريط العازل ورقة إسرائيلية!
كتب رضوان عقيل في-"النهار"
لم تتأخّر إسرائيل في احتلال عدد من البلدات الحدودية جنوبي لبنان وتحقيق خطتها السيطرة على جنوب الليطاني، وسط تخوّف من إقامة شريط حدودي جديد في تكرار للتجربة القديمة التي انتهى مفعولها في أيار 2000، ولو اختلفت ظروفها عن اليوم.
ولم يكن ينقص هذا المشهد في الجنوب إلا قيام الجيش اللبناني بإعادة تموضع لوحداته وتركه مواقعه في البلدات الحدودية وانتقاله إلى نقاط أخرى في قضاء صور، مع خشية مغادرة كل بلدات جنوب الليطاني. وبحسب خبراء عسكريين، لن تكون سيطرة إسرائيل على جنوب الليطاني وصولا إلى تلال في البقاع "نزهة عسكرية". ولا شك في أن أهدافها من هذا التوغل استثماره في المفاوضات. ويبقى من الصعوبة إنشاء ميليشيا، لأن أبناء البلدات الحدودية بكل طوائفهم ومشاربهم السياسية ليسوا من هذا التوجه.
كانت المشاهد قاسية على أبناء البلدات المسيحية والسنية والدرزية لدى مشاهدة الجيش يغادر مواقعه. وقد انسحب هذا الجو على سائر الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة، وكأنها تترك المواطنين لأقدارهم. وكان يُخشى من إبقاء الجيش في تلك النقاط، فتصبح وحداته أسيرة في أيدي الإسرائيليين.
وإذا كانت جملة من العوامل الداخلية والخارجية دفعت بالشيعة إلى مغادرة بلداتهم، فثمة أخطار تهدد المسيحيين والسنة في البلدات الحدودية، مع ملاحظة "تمدد" شعاع اتصالات الشيخ موفق طريف نحو مشايخ دروز في حاصبيا وجاراتها.
في بيروت، تغرق القوى السياسية في ملف السفير الإيراني محمد رضا شيباني ورفضه تطبيق قرار الحكومة مغادرة البلد، بإسناد من "الثنائي". وينشغل القضاء بجملة من الدعاوى على ناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي ومنتحلي صفة إعلاميين لا شغل لهم سوى بث الكراهية وتحريك الغرائز الطائفية والمناطقية وتصدرهم الشاشات، في وقت لا يمكن طمأنة من تبقى من الجنوبيين في بلداتهم.
وإذا كان "حزب الله" يترك الأمر للميدان العسكري وعرقلته التقدم الإسرائيلي في الجنوب، فإن الأخير يقدم على تدمير المنازل والمؤسسات في خطة تهدف إلى استنزاف الحزب وإقامة منطقة أمنية عازلة تحمي حدوده، وسيستعملها على طاولة المفاوضات عند نضوج موعدها. وإذا حصل وقف لإطلاق النار على جبهة إيران وانسحب على لبنان، فمن غير المتوقع أن تنسحب إسرائيل من المساحات المحتلة أو تسمح للنازحين بالعودة إلى بلداتهم.
ولا يخفي متابعون أن حالة من الضياع أو عدم وضوح الرؤية تسود، حيال مستقبل نصف مساحة الجنوب على الأقل.
ولم يستطع الرئيس نواف سلام تقديم أجوبة شافية عن أسئلة زواره لدى تناولهم مستقبل الجنوب، حيث يجري الحديث عند وقف النار وانسحاب اسرائيل من جنوب الليطاني، على أن تحل قوة دولية ضمن صلاحيات الفصل السابع في هذه المنطقة.
لم يرحب الحزب بهذا الطرح، وقد زاد عليه سلام: "من قال إن روسيا لن تعارض هذا المشروع بفيتو في مجلس الأمن، وإن واشنطن لم تعد تساهم ماليا في موازنة اليونيفيل على غرار السابق؟".
وبالعودة إلى أحوال البلدات الحدودية، فإن مشهد مغادرة الجيش لها يذكر بوقائع 1975. ويحسُن بالمعنيين أن يعودوا إلى أرشيف كمال جنبلاط ورسائله التي لم ينته مفعولها إلى اليوم. ويتذكره كثيرون عندما زار عيترون ومرجعيون في آب 1970 وحذر من ترك الجيش تلك القرى، قبل أن تقع فريسة الاحتلال الإسرائيلي عام 1978. واختصر جولته آنذاك بالقول إن الحكومة أخطأت بالطلب من الجيش مغادرة مواقعه.
اليوم يتفرج الجميع على هذه المشهدية من دون القيام بحراك ديبلوماسي مع الدول الغربية، وفي مقدمها أميركا والدول المشاركة في "اليونيفيل". ولم تدع جامعة الدول العربية إلى اجتماع طارىء رغم انشغال دول الخليج بالحرب المفتوحة. ويسجل هنا لأبناء البلدات المسيحية والسنية والدرزية اتخاذهم قرار البقاء في ديارهم، مع التوقف عند حجم معاناة الشيعة الذين نزحوا من بلداتهم، إلى جانب السنة الذين غادروا قراهم في القطاع الغربي حيث يعيش أبناء كل هذه البلدات وسط موجات من القلق على المصير إذا نجحت إسرائيل في قضم مساحات من جنوب الليطاني، النهر الذي لا تفارق مياهه أحلام إسرائيل.


