كيف يمكن ضبط الخطاب السياسي التحريضي والكل شريك بالجريمة؟.. لا إجراءات الدولة تكفي ولا القوى السياسية تتحمل مسؤولية وطنية

أبريل 3, 2026 - 07:58
 0
كيف يمكن ضبط الخطاب السياسي التحريضي والكل شريك بالجريمة؟.. لا إجراءات الدولة تكفي ولا القوى السياسية تتحمل مسؤولية وطنية

 كتب غاصب المختار في "اللواء"

 كان من الطبيعي بالمنطق السياسي اللبناني السائد، ان تنقسم القوى السياسية بين مؤيد  ومعارض لقرارات الحكومة المتخذة بحق حزب الله والسفير الايراني محمد رضا شيباني، منذ ازمة صورة صخرة الروشة وحتى الآن، ذلك ان التوجهات السياسية في لبنان مرتبطة بالتوجهات السياسية لكل دولة اقليمية، وهذه حقيقة تاريخية في لبنان لا يمكن اخفاؤها، قبل وجود حزب الله وغيره من احزاب وستستمر معهم وبعدهم طالما هناك ارتهان خارجي «غبّ الطلب».

  لكن ما لايمكن فهمه تحوّل الموقف السياسي من تعبير عن سياسة معينة بهذا الاتجاه او ذاك، الى لغة تحريضية   تخوينية انقسامية، ذات خلفيات طائفية ومناطقية وفئوية.. وعنصرية احياناً. ولهذا حذّر رئيس الجمهورية جوزيف عون من «بخّ السم» ومسببات الفتنة والمس بالسلم الاهلي والاستقرار. ذلك ان حدّة المواقف تطال اول ما تطال استقرار العهد والحكومة، وتشغلهما عن متابعة الامور المصيرية المهمة، ويدخل البلد من خلالها دوامة لا تنتهي من الخلافات الحادة التي تعطل عمل المؤسسات الرسمية طالما يتعذر معالجة هذه الخلافات والانقسامات.
 بعض المواقف، لا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة غير المراقبة وغير المضبوطة بما يكفي، تثير بلبلة تُشغل ايضاً الاجهزة الامنية والقضائية عن معالجة قضايا مهمة، فيصبح استدعاء «محرّض» ما من هذا الطرف او ذاك للتحقيق والسؤال الى قضية وطنية كبرى وقضية حريات ورأي عام ومدعاة لتحرك في الشارع، وكأن البلاد مرتاحة على وضعها ولا مشكلات كبرى تجتاحها منذ سنوات.
ويبدو ان القوى السياسية تعجز فعلاً عن ضبط خطاب جمهورها بعد ان تقوم بالتحريض وبعد ان تقع الواقعة، ويرمي كل طرف المسؤولية على خصمه، بينما الكل شريك في جريمة التحريض ويترك المعالجة للقوى الامنية والجهات القضائية، التي تجد نفسها مربكة في التعاطي مع مواقف مستفزة وذات خلفيات طائفية، ويتم معالجة القضية بالتي هي احسن، فلا توقيف ولا غرامة ولا ابسط عقاب، نتيجة التدخلات السياسية الفورية دفاعا عن موقف سلبي يؤثر على استقرار البلد.
  لم تعد تكفي إجراءات وزير الاعلام ولا دعوات المسؤولين الاخرين لوقف خطاب الكراهية والتحريض والفتنة، لأن المسؤولية ليست رسمية لأن الجهات الرسمية هي امام هذا الوضع بمثابة شاهد زور او شاهد «ما شافش حاجة» او حاكم بلا قرار جريء وجدّي، بل هي مسؤولية القوى السياسية لضبط جمهورها ومنع التفلّت وسحب الغطاء عن اي مرتكب ومحرّض. كما هي مسؤولية شخصية لصاحب الموقف بأن يراعي وضع البلد وحساسيته وخطورة ما يقوم به، ولو كان موقفه يعبر عن حقيقة معينة، لكن يبقى المهم اسلوب التعبير الهادىء والهادف، لتصل الفكرة الى من يريد من دون اثارة حساسيات او إشكالات او ازمات البلاد والعباد بغنى عنها في هذا الجو المحموم والموتر داخلياً واقليمياً  الذي يحتاج الى معالجات هادئة ومسؤولية سياسية ووطنية واخلاقية شخصية وعامة.
 معظم دول العالم تشهد انقسامات سياسية يتم التعبير عن المواقف حولها عبر المؤسسات الرسمية والدستورية، وحتى عبر وسائل الاعلام طالما ان الدساتير تكفل حرية التعبير، لكن بشكل مسؤول وهادف لا يسبب شرخاً وطنياً وشعبياً. وطالما ان الازمة الاقليمية الكبرى قائمة وتنعكس على لبنان بشكل كبير وخطير، سيبقى الخلاف السياسي الداخلي  قائماً حتى إيجاد الحلول الجذرية لا الترقيعية المؤقتة، والى حين إيجاد الحلول، فإن الامر يستلزم خطاباً لبنانياً من نوع آخر، يُقرّب ولا يُفرّق، ويسهم في إيجاد الحلول ومعالجة الخلافات قدر الامكان لا صب الزيت على نارها.