القطط تحت القصف: كيف تؤثر أصوات الصواريخ على حواسها وكيف نحميها؟
في زمنٍ تتكاثر فيه أصوات الصواريخ ودويّ القصف، لا تكون المعاناة حكراً على البشر وحدهم، بل تمتدّ إلى كائناتٍ أليفة تعيش معنا وتشاركنا تفاصيل يومنا بصمت. القطط، بحكم طبيعتها، تمتلك جهازاً سمعياً بالغ الحساسية يفوق الإنسان بكثير، ما يجعلها تلتقط أدقّ الذبذبات وأشدّها حدّة. لذلك، حين يخترق الصفير الحاد للصاروخ أو يهتزّ المكان على وقع انفجار، لا تسمع القطة الصوت فحسب، بل تعيشه كارتجاجٍ داخلي يضرب جهازها العصبي ويضعها في حالة استنفار قصوى.
هذه الأصوات العنيفة لا تمرّ دون أثر، إذ يمكن أن تتسبب بنوبات هلع مفاجئة تظهر على شكل اتساع حدقة العين، تسارع في التنفس، محاولات هروب عشوائية أو اختباء قهري. وقد ترافقها تقلصات عضلية، ارتجاف واضح، أو حتى فقدان مؤقت للتركيز والتوازن. في بعض الحالات الشديدة، قد تصل القطة إلى حالة تشبه “الانفصال” عن محيطها، حيث تبدو مشوشة أو غير قادرة على الاستجابة، وهو ما يعكس ضغطاً عصبياً عالياً. ومع تكرار التعرض لهذه الأصوات، تتحول الاستجابة من حالة عابرة إلى توتر مزمن، فتفقد القطة شهيتها، يقلّ نومها، وتصبح أكثر عدوانية أو انعزالاً.
ولا يتوقف التأثير عند السلوك الظاهر، بل قد يمتد إلى الجهاز السمعي نفسه، إذ إن التعرض المتكرر للضوضاء العالية قد يسبب ضرراً تدريجياً في الخلايا السمعية، ويضعف قدرتها على التكيّف مع الأصوات الطبيعية لاحقاً. كما تشير ملاحظات بيطرية إلى أن الإجهاد المستمر يمكن أن يؤثر على توازن الهرمونات المرتبطة بالتوتر، ما يجعل القطة تعيش في حالة قلق دائم حتى في غياب الخطر.
تزداد خطورة هذه التأثيرات لدى القطط المسنّة، أو تلك التي تعاني أصلاً من مشاكل صحية، وكذلك السلالات المعروفة بحساسيتها العالية. هذه الفئات تكون قدرتها على امتصاص الصدمة أقل، ما يجعلها أكثر عرضة لانهيارات عصبية أو تدهور سريع في حالتها العامة.
أما عن حمايتها، فلا يكفي فقط إبعادها عن مصدر الصوت، بل يتطلب الأمر خلق بيئة داعمة تقلّل من شعورها بالخطر. من المهم إبقاء القطط داخل المنزل خلال أوقات القصف، وإغلاق النوافذ والستائر لتخفيف شدة الصوت والضوء المفاجئ. يمكن تخصيص “زاوية آمنة” في المنزل، تكون مظلمة نسبياً ومبطنة ببطانيات أو وسائد، لتلجأ إليها القطة عند شعورها بالخوف. كذلك، يساعد تشغيل موسيقى هادئة أو ضوضاء بيضاء على تشتيت الأصوات الحادة القادمة من الخارج.
ومن التفاصيل المهمة أيضاً تجنب حمل القطة أو إجبارها على الخروج من مخبئها أثناء نوبة الخوف، لأن ذلك قد يزيد من توترها. بدلاً من ذلك، يُفضّل التواجد بالقرب منها بصمت، أو التحدث بنبرة هادئة، ما يمنحها شعوراً بالأمان دون فرض تواصل قد لا تكون مستعدة له. كما يُنصح بالحفاظ على روتين يومي ثابت قدر الإمكان—في مواعيد الطعام واللعب—لأن الاستقرار السلوكي يخفف من أثر الفوضى الخارجية.
وفي الحالات الشديدة، حيث تظهر أعراض مستمرة كفقدان الشهية أو السلوك العدواني أو الارتجاف المتكرر، قد يكون من الضروري استشارة طبيب بيطري، إذ يمكن أن تحتاج القطة إلى مهدئات خفيفة أو دعم علاجي يساعدها على تجاوز هذه المرحلة.
في الحروب، لا تُقصف المدن وحدها، بل يُقصف الإحساس بالأمان لدى كل كائن حي. والقطط، وإن لم تفهم معنى الصواريخ، إلا أنها تعيش أثرها في أجسادها وأعصابها… بصمتٍ يرتجف، ويبحث عن زاويةٍ آمنة في عالمٍ لم يعد آمناً.


