بين أصوات الغارات ونبض القلب: لماذا نحتاج الحبّ أكثر في الحرب؟
في زمن الحرب، لا يكون الحب ترفاً بل ضرورة نفسية. كيف يساعد القرب الإنساني على تخفيف الخوف واستعادة التوازن؟ اختصاصية نفسية ريان هاشم تشرح.
اعداد: هناء بلال
في زمنٍ تتكاثر فيه نشرات الأخبار أكثر من الأحلام، وتعلو فيه أصوات الغارات على همسات الحياة، يبدو الحديث عن الحبّ كأنه ترف مؤجّل… أو رفاهية لا تتّسع لها الأيام الثقيلة. لكن الحقيقة، كما يختبرها الناس في تفاصيلهم الصغيرة، تقول عكس ذلك تماماً: في الحرب، لا نبحث عن الحبّ رغم الخوف، بل بسببه.
النهار الذي يبدأ بخبرٍ عاجل، لا يُنهي حاجتنا إلى صوتٍ دافئ. والمساء الذي يمتلئ بالتحذيرات، لا يمنعنا من البحث عن يدٍ نطمئنّ إليها. بين نشرةٍ وأخرى، وبين غارةٍ وأخرى، تستمر الحياة… لا بوصفها إنكاراً لما يحدث، بل كفعل مقاومة صامتة. وهنا، يصبح الحبّ بكل أشكاله واحداً من آخر الخطوط التي تحمي الإنسان من الانهيار.
وسط هذا الضجيج، حيث يتأرجح الإنسان بين القلق والترقّب، يصبح التعلّق بالآخرين شكلاً من أشكال النجاة. ليس فقط لأننا نحتاج إلى من يربّت على قلوبنا، بل لأننا، ببساطة، لا نستطيع أن نواجه هشاشتنا وحدنا.
في الحرب، يتعرّى الإنسان من وهم السيطرة، ويعود إلى أبسط احتياجاته: أن يشعر بأنه مرئي، مسموع، ومحتوى.
في هذا السياق، توضّح الاختصاصية في الصحة النفسية والدعم النفسي ريان هاشم أن الحبّ في أوقات الحرب «لا يصبح رفاهية، بل يتحوّل إلى آلية بقاء». وتشرح أن الإنسان، حين يعيش تحت تهديد مستمر، يدخل في حالة استنفار دائمة يُفعَّل فيها ما يُعرف بنظام التهديد في الدماغ، فتزداد مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يجعله في حالة قلق ويقظة مفرطة، مع شعور عميق بعدم الأمان.
هذا التوتّر المستمر لا يمرّ من دون أثر؛ فهو يرهق الجسد كما النفس، ويجعل الإنسان أكثر هشاشة أمام القلق، وأكثر عرضة للانهيار العاطفي. لكن، في مقابل هذا الاضطراب الداخلي، يأتي دور العلاقات الإنسانية كنوع من “التوازن الخفي” الذي يعيد ترتيب الداخل.
تشير هاشم إلى أن الروابط العاطفية «تفعّل نظاماً بيولوجياً مضاداً لنظام التهديد»، حيث يزداد إفراز هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالشعور بالأمان والانتماء. هذا الهرمون لا يخفّف التوتر فقط، بل يهدّئ مراكز الخوف في الدماغ، ويساعد على استعادة التوازن النفسي، وكأن الجسد يتذكّر ولو للحظات كيف يكون الأمان.
وتضيف أن أبسط أشكال القرب كاحتضان، أو كلمة دافئة، أو حتى وجود شخص موثوق إلى جانبنا تحمل رسائل عميقة للجسد، كأنها تقول له: «لست وحدك». هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عادية في زمن السلم، تتحوّل في الحرب إلى عناصر إنقاذ حقيقية، تعيد للإنسان إحساسه بذاته وبالعالم من حوله.
من الناحية النفسية، تشرح هاشم أن الحب يخلق ما يُعرف بـ«التنظيم المشترك للمشاعر» (Co-regulation)، حيث يساعد وجود الآخر على تهدئة الانفعالات واستقرار الحالة النفسية، وتقليل الفوضى الداخلية الناتجة عن الخوف وعدم اليقين. فبدلاً من أن يغرق الإنسان في دوّامة أفكاره، يجد في الآخر مرآةً تهدّئه وتعيده إلى توازنه.
أما من الناحية البيولوجية، فإن القرب العاطفي يساهم في خفض مستويات الكورتيزول، ويعزّز عمل الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء واستعادة التوازن. وهذا ما يفسّر لماذا يشعر الإنسان، ولو للحظات، بأن العالم أصبح أخفّ وطأة حين يتشارك خوفه أو ضعفه مع شخص يحبّه.
لكن الحب في الحرب لا يقتصر على العلاقات الرومانسية فقط. هو يتجلّى في الصداقة، في العائلة، في زميل العمل الذي يشاركك فنجان قهوة وسط التوتر، في الضحكة التي تُسرق بين خبرين ثقيلين، وفي القدرة على الاستمرار في الحديث عن الفن والموسيقى رغم كل شيء. كل هذه الأشكال هي امتدادات لمعنى واحد: نحن نحتمي ببعضنا.
ورغم أن الحب لا يغيّر واقع الحرب، إلا أنه، بحسب هاشم، «يغيّر طريقتنا في تحمّله». هو لا ينكر الخطر، ولا يلغيه، بل يعيد تعريف الأمان… داخل علاقة، داخل لحظة إنسانية صادقة، داخل يدٍ نتمسّك بها حين يهتزّ كل شيء.
ربما لهذا السبب، لا يتوقّف الناس عن الحب في أصعب الظروف. لأنهم يدركون، ولو بشكل غير واعٍ، أن النجاة لا تكون فقط بالاختباء من الخطر، بل أيضاً بالتمسّك بما يجعل الحياة ممكنة. والحب، في جوهره، هو هذا المعنى.
في النهاية، قد لا نملك القدرة على إيقاف الحروب، ولا تغيير مسارها، لكننا نملك في مساحاتنا الصغيرة أن نحبّ. وهذا الحب، مهما بدا بسيطاً، قد يكون الشيء الوحيد القادر على أن يجمع شتاتنا، ويمنحنا سبباً إضافياً لنكمل… رغم كل شيء.


