حرب النفط وانهيار الإمبراطورية: العالم في مفترق طريقَين

مارس 28, 2026 - 16:38
 0
حرب النفط وانهيار الإمبراطورية: العالم في مفترق طريقَين

كتب باسم الموسوي:

ثمة حروب تُخاض لأهداف مُعلنة، وحروب تُخاض لأهداف مضمرة لا يجرؤ أصحابها على الإفصاح عنها. والحرب الأمريكية على إيران التي اندلعت في مطلع عام 2026 تنتمي إلى النوع الثاني. فالأهداف المُعلنة تتناسل وتتضارب في كلِّ مناسبة: أحياناً يُقال إنها لوضع حدٍّ للبرنامج النووي الإيراني، وأحياناً لتغيير النظام، وأحياناً لتجريد طهران من قدراتها العسكرية. لكن هذا التناقض في الرواية ليس فوضى أو ارتجالاً بقدر ما هو كاشف: فحين لا يُجيب القائد عن سؤال “ما هو هدفك؟” بجواب واحد، فالأرجح أن الهدف الحقيقي يقبع في مكان آخر تماماً.

ذرائع الداخل وأوهام الخارج
لا يفهم المرء هذه الحرب إذا حصر تفسيرها في معادلات الشرق الأوسط وحدها. ثمة محرِّكات داخلية أمريكية لا تقل أثراً في صنع القرار: فضيحة تطاردت السلطة التنفيذية لأشهر، واقتصاد يتدهور، وأسواق تتراجع، وتضخم لا يتحرك نحو الأسفل. والحرب، في مثل هذه اللحظات، لا تكون فقط وسيلة سياسة خارجية، بل تصبح أداة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وإزاحة الأزمات عن الصفحة الأولى. وقد كشفت آليات التاريخ مراراً أن القادة يذهبون إلى الحرب حين لا يجدون وسيلة أخرى لالتهام الوقت وتأخير الحساب. والحرب على إيران، بمنطق مشابه، هي مسرحية سياسية قبل أن تكون حملة عسكرية، وإن كانت تداعياتها باتت تتجاوز كلَّ مسرح.

أما على صعيد الأهداف الحقيقية التي لا تُصرَّح بها، فتكاد لا تختلف عمَّا كانت عليه الأهداف الأمريكية حين دبَّرت واشنطن انقلاب 1953 في طهران وأطاحت برئيس الوزراء محمد مصدَّق: النفط. السيطرة على النفط الإيراني، وعبره السيطرة على تجارة النفط العالمية. وهو ما يُفسِّر ما يبدو للوهلة الأولى أنه طموح مُسرَف: إذ لا تكفي السيطرة على النفط الإيراني وحده، بل يستلزم المشروع عزل الموردين الذين ينافسون أو يرفضون الخضوع للنظام الدولاري، من روسيا إلى إيران إلى فنزويلا. والرهان هو إعادة هيكلة الانتشار الطاقوي العالمي بما يُعيد للولايات المتحدة موقع المتحكم في شريان الحياة الذي يضخ الطاقة في مصانع آسيا وحرارة منازل أوروبا وأسمدة حقول أمريكا اللاتينية وأفريقيا.

مضيق هرمز ومأزق العالم
تمر نحو 20% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ويمر معها جزء من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وإغلاق هذا المضيق، كلياً أو جزئياً، لا يعني أزمة إقليمية بل يمسُّ البنية الاقتصادية لدول متباعدة جغرافياً وسياسياً: كوريا الجنوبية واليابان اللتان تعتمدان عليه في تأمين الجزء الأكبر من احتياجاتهما النفطية، وأوروبا التي تئن أصلاً تحت وطأة تداعيات الحرب في أوكرانيا وتراجع معدلات النمو، ودول الجنوب العالمي التي تبدأ أزماتها الحقيقية حين تعجز عن استيراد الأسمدة اللازمة لزراعة محاصيلها.

في هذا السياق، يتبدَّى بجلاء أن الحرب الأمريكية على إيران ليست حرباً ثنائية بين دولتين، بل حرب عالمية بالمعنى الاقتصادي، وإن لم يستوعب الخطاب الإعلامي السائد هذه الحقيقة بعد. فأزمة الطاقة أوجدت سوقاً مُعادة الرسم: روسيا تحوِّل ناقلاتها من أوروبا إلى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مقدِّمةً نفسها شريكاً استراتيجياً طويل الأمد في مرحلة ما بعد الإمبراطورية. والسعودية التي انضوت لعقود تحت مظلة الحماية الأمريكية تجد نفسها اليوم في حاجة إلى تسييل استثماراتها الخارجية لتغطية عجوزات ميزانيتها في غياب عائدات النفط، فتبيع من الأصول الأمريكية ما كانت تنمِّيه وتراكمه عقوداً. وهذا التحوُّل المالي يُلقي بظلاله على مكانة الدولار وعلى بنية النظام المالي الدولي الذي أرسى قواعده بريتون وودز.

الخيال الذي أذكته واشنطن
راهنت الإدارة الأمريكية على سيناريو مُحدَّد حين أطلقت هجومها: صدمة جوية تُربك الدولة ومؤسساتها، تليها انتفاضة داخلية تطيح بالقيادة وتفتح الباب أمام حكومة موالية على غرار ما جرى عام 1953. وكان من المخطط تعزيز هذا السيناريو بدعم انفصالي للأكراد، على قياس ما حاولته واشنطن في مناطق أخرى كأوكرانيا في مواجهة روسيا. لكن الأكراد العراقيين والإيرانيين سارعوا إلى التبرُّؤ من هذا الدور، مُدركين أن الرهان على الأمريكيين خيَّب آمالهم مراراً في الماضي. وكانت إيران قد كشفت مسبقاً عن جزء من استراتيجيتها في مواجهة عدوان محتمل: استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية عبر طائرات مسيَّرة وصواريخ قديمة، ثم توجيه الضربات المنهكة بمنظومات متطورة لم تُستخدم بعد.

وقد اصطدمت الحسابات الأمريكية بعقبات موضوعية: إيران ليست العراق عام 2003، والمجتمع الإيراني ليس مجتمعاً مُفكَّكاً يُسهل إسقاط نظامه بغاراتٍ تُفاجئه، بل هو مجتمع صاغته أربعة وأربعون عاماً من الحصار وقرَّر أن لا بديل عن الصمود. لذا فالحرب التي توقَّعها البعض قصيرةً أشبه بحروب الصحراء السريعة، تتحول إلى مواجهة طويلة تحدَّث الإيرانيون صراحةً عن أنها ستمتد حتى تحقيق هدف واحد لا تنازل عنه: إخراج الوجود العسكري الأمريكي كاملاً من الشرق الأوسط.

انهيار الأوهام وتفكُّك التحالفات
والأمر الأشد دلالةً من تطورات الميدان هو ما يجري داخل المعسكر الغربي نفسه. فالحلفاء الأوروبيون الذين آثروا منطق الولاء على منطق المصلحة في أزمة أوكرانيا يدفعون اليوم فاتورة مضاعفة: طاقة مرتفعة التكلفة، وناتج محلي يتراجع، وشعوب تتسرَّب منها ثقتها بزعاماتها. وقد تجلَّى تمزُّق هذا التحالف في المشهد البريطاني الدال: رئيس حكومة يعيش شعبيةً في الحضيض لاح له فجأةً أن معارضته للحرب قد تنقذ مستقبله السياسي، فراح يستثمر النقمة الشعبية على المشاركة الأمريكية. وحين يُسارع أقرب الحلفاء إلى المناورة على حساب العلاقة الخاصة، فهذا دليل على أن الإمبراطورية باتت عبئاً لا ضماناً.

ودول الخليج التي بنت أنظمتها على معادلة الحماية الأمريكية مقابل تدفق النفط وتوظيف الفوائض في سندات الخزانة الأمريكية باتت تكتشف كلفة هذه المعادلة: القواعد العسكرية ليست حصوناً بل أهداف، والحماية المزعومة لم تمنع الضربات التي طالت الأراضي الخليجية، والأنظمة الملكية التي فرَّغها الثروة النفطية من الشرعية الشعبية لا تجد ما تقدِّمه لشعوبها حين تتوقف العائدات. والمقارنة بملوك أوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى ليست مجرَّد مجاز أدبي، بل هي قراءة في النماذج التاريخية: تلك الملوكية انتهت مع انتهاء الحرب، وكذلك قد يكون مصير عدد من هذه الإمارات في نهاية المطاف.

ما وراء الحرب: نظام عالمي آخر
الأكثر أهمية من مجريات المعارك هو ما تُلقيه هذه الحرب من ضوء على مستقبل النظام العالمي برمَّته. فقد قامت الهيمنة الأمريكية في مرحلة ما بعد 1945 على ركيزتَين متكاملتَين: ركيزة مالية تمثَّلت في جعل الدولار العملة الاحتياطية الدولية وقِبلة للفوائض السيادية، وركيزة أمنية تمثَّلت في الحضور العسكري المنتشر في كل نقطة استراتيجية من العالم. وقد آلت وظيفة هاتَين الركيزتَين في الخطاب الرسمي إلى “حماية العالم من الاضطراب”. لكن ما كشفته هذه الحرب للمراقب الموضوعي هو أن الولايات المتحدة كانت مصدر الاضطراب لا ضامنه: في العراق وليبيا وأفغانستان وسوريا وأوكرانيا وغزة والآن في إيران.

وحين يتآكل الوهم التأسيسي لمشروع إمبراطوري، تبدأ إعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية. والمرجَّح أن ما يخرج من هذه الحرب لن يكون مجرَّد توازن جديد للقوى في المنطقة، بل مطالب متصاعدة بإعادة بناء المؤسسات الدولية خارج نفوذ حق النقض الأمريكي، وإرساء أُطر تجارية ومالية لا تُشكِّل فيها عقوبات واشنطن سيفاً مُسلَّطاً على الجميع، وربما إعادة النظر في الكيفية التي باتت بها أمم مستقلة تَعُدُّ الاستمرار في ربط مدَّخراتها بسندات الخزانة الأمريكية أقرب إلى الخضوع منه إلى الحكمة.

لا يعرف أحد متى تنتهي هذه الحرب ولا كيف. لكن ما بات شبه مؤكَّد هو أن نهايتها، مهما كانت صورتها، لن تُعيد العالم إلى حيث كان قبلها