لمن يهمه امر الوطن اللبناني
كتب د أسامة توفيق مشيمش:
في لحظات تاريخية حساسة، عندما تتولى فئات غير مؤهلة أو تفتقر إلى الحكمة والخبرة مقاليد السلطة، تكون النتائج في الغالب كارثية على مستوى القرار الوطني والمصير العام. فصناعة القرار ليست مجالًا للتجريب أو الانفعال، بل تحتاج إلى رؤية عميقة وإدراك دقيق لتعقيدات الواقع وتداعيات الخيارات. وعندما يغيب هذا الإدراك، تصبح القرارات ارتجالية، بعيدة عن الواقع، ولا تمتّ بصلة إلى مصلحة الناس أو استقرار البلاد.
إن التجربة القريبة في لبنان تقدّم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد شهدنا كيف أن سياسات غير مدروسة ومواقف متسرعة أدت إلى نتائج عكسية، كان أبرزها إعادة نسج العلاقات بين لبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم معارضة السلطة التي كانت قائمة آنذاك، والتي اتُّهمت بدعم خيارات لا تنسجم مع المصلحة الوطنية ولا مع التوازنات الداخلية. هذه النتيجة لم تكن وليدة تخطيط واعٍ من تلك السلطة، بل جاءت كرد فعل طبيعي على سياسات خاطئة فُرضت على الواقع اللبناني.
اليوم، يبدو أن البلاد تقف مجددًا على أعتاب مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا. فالمشهد لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل بات يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من اللبنانيين على أنه صراع وجودي، يمسّ هوية مكوّن أساسي يشكّل نسبة كبيرة من الشعب. في مثل هذه الظروف، يصبح التعاطي مع الأمور بخفة أو جهل بالعواقب أمرًا بالغ الخطورة، وقد يفتح الباب أمام تطورات لا يمكن السيطرة عليها.
البعض يراهن على عقلانية القيادات السياسية، وعلى قدرتها في ضبط الشارع ومنع الانزلاق نحو الفوضى، ومن بين هذه القيادات الرئيس نبيه بري، الذي يُنظر إليه كرمز من رموز الاعتدال والحكمة السياسية. إلا أن هذا الرهان، وإن كان في مكانه من حيث المبدأ، لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضمانة مطلقة أو أداة يمكن استغلالها إلى ما لا نهاية. فالرئيس بري نفسه هو امتداد لنهج الإمام المغيب موسى الصدر، الذي حمل قضية رفع الظلم والحرمان والتهميش عن الطائفة الشيعية، وجعل منها قضية وجود وكرامة.
من هنا، فإن أي محاولة لتجاهل هذه الحقائق أو التقليل من شأنها، إنما تعكس قصورًا في فهم طبيعة الواقع اللبناني وتعقيداته. فالمجتمعات لا يمكن إخضاعها بالقوة أو تجاهل تطلعاتها، بل يجب التعامل معها بعقلانية واحترام لمكوناتها وحقوقها.
ولعل في قول الإمام جعفر الصادق: “اغتنموا فرص الخير فإنها تمر مرور السحاب”، دعوة صريحة إلى اغتنام لحظات الحكمة والتعقل قبل فوات الأوان. وهذه الرسالة موجّهة اليوم إلى أولئك الذين لا يزالون يظنون أن بإمكانهم الاستمرار في نهج الإنكار أو الاستعلاء، دون أن يدركوا حجم المخاطر التي قد تترتب على ذلك.
إن الفرصة لا تزال قائمة لتصحيح المسار، والاستفادة من العقلانية السياسية المتوفرة، وفي مقدمتها ما يمثله الرئيس بري من توازن وحنكة. أما الإصرار على تجاهل هذه الفرصة، فقد يقود البلاد إلى مرحلة يندم فيها الجميع، ولكن بعد أن يكون الندم قد فقد جدواه.


