دعم القوى العلمانية للمقاومة الإسلامية: لماذا يُعدّ واجباً وطنياً؟
كتب باسم الموسوي:
في أزمنة السلم، تبدو الخلافات الفكرية والأيديولوجية بين التيارات السياسية والثقافية أمراً طبيعياً بل ضرورياً لحيوية المجتمع. فالنقاش حول علاقة الدين بالدولة، أو حول طبيعة النظام السياسي، أو حول الهوية الثقافية، يشكّل جزءاً من الحياة الفكرية الطبيعية لأي مجتمع. غير أن التاريخ يعلّمنا أن هناك لحظات استثنائية تتجاوز فيها الشعوب هذه الخلافات عندما تواجه خطراً وجودياً يهدد أرضها وسيادتها. ففي مثل هذه اللحظات، تصبح الأولوية المطلقة هي الدفاع عن الوطن، ويتحوّل هذا الدفاع إلى قضية مشتركة تتقدم على كل الجدل الأيديولوجي.
من هنا يطرح سؤال مهم في السياق العربي الراهن، ولا سيما في لبنان: هل يجب على القوى العلمانية دعم المقاومة الإسلامية عندما تكون في مواجهة عدوان خارجي؟
الجواب الذي يفرضه الواقع التاريخي والسياسي هو أن هذا الدعم لا يُعدّ خياراً فكرياً فحسب، بل يمكن أن يصبح واجباً وطنياً.
لفهم هذه المسألة بعمق، ينبغي أولاً النظر إلى طبيعة الصراع القائم في المنطقة. فقد أشار المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري في كتابه مسألة الهوية إلى حقيقة أساسية حين كتب:
«الصهيونية قومية دينية، ولا تقاوم التعبئة الدينية إلا التعبئة الدينية المضادة».
هذه العبارة ليست مجرد موقف سياسي، بل هي قراءة تحليلية لطبيعة المشروع الصهيوني. فالصهيونية لم تنشأ كحركة قومية علمانية تقليدية فحسب، بل تشكلت منذ بداياتها بوصفها مشروعاً يجمع بين القومية والدين. لقد استندت إلى روايات دينية تاريخية تمنح الاستيطان معنى يتجاوز السياسة اليومية، وتحوّل السيطرة على الأرض إلى جزء من سردية عقائدية عميقة.
لهذا السبب، استطاعت الصهيونية أن تعبّئ جمهورها على مدى أكثر من قرن ليس فقط عبر المصالح السياسية أو الاقتصادية، بل أيضاً عبر استدعاء عناصر الهوية الدينية والرمزية التي تمنح المشروع الاستيطاني طابعاً مقدساً.
في مواجهة مشروع يمتلك هذا النوع من التعبئة المركبة، تبرز مسألة أساسية: كيف يمكن تعبئة المجتمعات التي تتعرض للعدوان؟
فالتجارب التاريخية تشير بوضوح إلى أن الشعوب عندما تواجه خطراً وجودياً تميل إلى العودة إلى أعمق عناصر هويتها الثقافية والروحية. وفي كثير من المجتمعات، يشكّل الدين أحد أهم هذه العناصر.
إن الهوية الدينية ليست مجرد منظومة عقائدية فردية، بل هي أيضاً مصدر للطاقة المعنوية التي تدفع المجتمعات إلى التضحية والصمود. فعندما يشعر الناس بأن معركتهم ليست مجرد نزاع سياسي عابر، بل قضية ترتبط بالعدالة والكرامة والمعنى الأخلاقي، يصبحون أكثر استعداداً لتحمل التضحيات.
وهذا ما يفسر لماذا لجأت شعوب كثيرة عبر التاريخ إلى هويتها الدينية في مواجهة الغزاة.
ففي فترات الغزو الخارجي، تتحول الهوية الدينية إلى قوة تعبئة اجتماعية واسعة. فهي تمنح المجتمع شعوراً بالتماسك والغاية المشتركة، وتساعد على تحويل الدفاع عن الأرض إلى قضية أخلاقية وروحية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
إن هذا الواقع التاريخي يضع القوى العلمانية أمام معادلة واضحة. فالعلماني، بحكم تكوينه الفكري، قد يفضّل خطاباً سياسياً مدنياً يقوم على المواطنة والقانون. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل حقيقة أن القوة الأكثر قدرة على مواجهة العدوان قد تكون قوة تستند إلى تعبئة دينية قوية.
في مثل هذه الحالة يصبح السؤال عملياً:
هل يرفض العلماني دعم هذه القوة لأنها دينية؟
أم يدعمها باعتبارها جزءاً من منظومة الدفاع عن الوطن؟
إن الإجابة التي يفرضها منطق الدولة الوطنية هي أن الدفاع عن الوطن يسبق كل الخلافات الأيديولوجية. فالوطن ليس ملكاً لفكرة واحدة أو تيار واحد، بل هو الإطار الذي يعيش فيه الجميع.
لذلك فإن دعم القوى العلمانية للمقاومة الإسلامية يمكن أن يُفهم بوصفه تعبيراً عن الوعي الوطني، لا عن التحول الأيديولوجي.
فالعلماني الذي يدعم المقاومة لا يعني أنه تبنّى خطابها الديني أو رؤيتها الفكرية كاملة، بل يعني أنه يرى في مقاومتها للعدوان دفاعاً مشروعاً عن الأرض والسيادة.
وهذا التمييز مهم للغاية.
فالدعم في هذه الحالة لا يقوم على التطابق الفكري، بل على تقاطع المصالح الوطنية.
إن التاريخ السياسي العالمي يقدّم أمثلة كثيرة على مثل هذه التقاطعات. ففي لحظات التحرر الوطني، كثيراً ما تحالفت تيارات مختلفة، بل متناقضة فكرياً، في جبهة واحدة لمواجهة الاحتلال أو الهيمنة الخارجية.
ففي مثل هذه اللحظات، يصبح الهدف المشترك هو حماية المجتمع من السيطرة الأجنبية. أما النقاشات الفكرية حول شكل الدولة والمجتمع فتستمر داخل المجتمع بعد انتهاء الصراع.
وفي العالم العربي، كثيراً ما لعبت الهوية الدينية دوراً مركزياً في تعبئة المجتمعات في مواجهة الغزو. فعندما يشعر الناس أن أرضهم وكرامتهم مهددتان، فإنهم يستدعون أعمق مصادر القوة في ثقافتهم، وغالباً ما يكون الدين أحد أهم هذه المصادر.
إن فهم هذه الحقيقة لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تحويل السياسة إلى صراع ديني دائم، بل يعني الاعتراف بأن الدين قد يكون في بعض اللحظات التاريخية أداة تعبئة فعالة للدفاع عن المجتمع.
ومن هنا يمكن فهم موقف بعض المثقفين العلمانيين الذين يرون أن دعم المقاومة الإسلامية ليس تناقضاً مع مبادئهم، بل هو استجابة واقعية لظروف الصراع.
فالعلماني الذي يؤمن بالحرية والسيادة لا يمكن أن يقف موقف الحياد بينما أرض بلده تتعرض للعدوان.
إن الدفاع عن الوطن هو الشرط الأول لأي مشروع سياسي أو فكري. فلا معنى للحديث عن الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية في بلد فاقد لسيادته.
لذلك فإن دعم المقاومة في مواجهة العدوان يصبح جزءاً من الدفاع عن الإطار الذي يسمح أصلاً بوجود النقاش الفكري والسياسي داخل المجتمع.
في لبنان، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب طبيعة المجتمع اللبناني المتعدد. فلبنان يضم طيفاً واسعاً من الانتماءات الدينية والفكرية، وقد عانى طويلاً من الصراعات الداخلية التي غذّتها الانقسامات الطائفية.
لكن مواجهة العدوان الخارجي تطرح معادلة مختلفة. فهي تتطلب وحدة وطنية تتجاوز الانقسامات الداخلية.
وعندما تكون هناك قوة تقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن الأرض، فإن دعمها يصبح جزءاً من التضامن الوطني.
هذا الدعم لا يعني إلغاء الاختلافات الفكرية داخل المجتمع، بل يعني تأجيلها عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن السيادة.
إن المجتمعات التي نجحت في مواجهة الغزو عبر التاريخ كانت غالباً تلك التي استطاعت توحيد صفوفها رغم اختلافاتها الداخلية.
أما المجتمعات التي استغرقت في صراعاتها الداخلية في لحظات الخطر فقد دفعت ثمناً باهظاً من استقلالها ووجودها.
من هنا يمكن القول إن دعم القوى العلمانية للمقاومة الإسلامية لا يُعدّ تناقضاً فكرياً، بل تعبيراً عن إدراك عميق لطبيعة الصراع.
فالقضية ليست صراعاً بين العلمانية والدين، بل صراع بين مجتمع يريد الحفاظ على أرضه وكرامته وبين قوة تسعى إلى فرض سيطرتها عليه.
وفي مثل هذا الصراع تصبح الأولوية للدفاع عن الوطن.
إن الوعي الوطني الحقيقي لا يُقاس بمدى الالتزام بالأيديولوجيات، بل بمدى الاستعداد للدفاع عن المجتمع عندما يتعرض للخطر.
وهذا الدفاع يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة:
المقاومة في الميدان، والدعم السياسي، والتضامن الاجتماعي، والعمل الفكري والثقافي.
كل هذه الأدوار ضرورية في معركة طويلة ومعقدة.
وفي النهاية، يبقى الدرس الذي تقدمه تجارب الشعوب عبر التاريخ واضحاً:
الشعوب التي تواجه العدوان تتجه غالباً إلى أعمق مصادر قوتها الثقافية والروحية. وفي كثير من الأحيان يكون الدين أحد أهم هذه المصادر.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني التخلي عن المشاريع الفكرية المختلفة داخل المجتمع، بل يعني إدراك أن حماية الوطن هي الشرط الأول لأي مشروع فكري أو سياسي.
ومن هنا يمكن فهم دعم القوى العلمانية للمقاومة الإسلامية بوصفه موقفاً وطنياً يقوم على مبدأ بسيط:
الدفاع عن الأرض والسيادة مسؤولية مشتركة تتجاوز كل الانقسامات الأيديولوجية.
فالوطن الذي يتعرض للعدوان يحتاج إلى جميع أبنائه، مهما اختلفت أفكارهم.
وعندما تكون المعركة معركة وجود، يصبح التضامن الوطني هو السلاح الأول للشعوب في مواجهة الغزاة.


