عام 2025.. بين وعد الدولة وواقع السلاح

يناير 7, 2026 - 12:46
 0
عام 2025.. بين وعد الدولة وواقع السلاح

 كتب مروان الأمين:

مع بداية عام 2025، بدت بارقة أمل طال انتظارها وكأنها تلوح في الأفق أمام اللبنانيين. فبعد سنوات من الحروب والانهيارات المتراكمة، أسهم تراجع نفوذ حزب الله في أعقاب الهزيمة العسكرية التي مُني بها في كسر الجمود الرئاسي المزمن، ما أفضى إلى انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية. ولم يأتِ خطاب القسم مجرّد إعلان بروتوكولي، بل حمل في مضمونه تعبيرًا واضحًا عن تطلّع اللبنانيين إلى قيام دولة فعلية، تستعيد سلطتها وسيادتها على كامل أراضيها، وتنخرط في مسار جدي من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية والمالية للخروج من النفق المظلم. والأهم أنّه أعاد طرح مطلبٍ جوهري لا يمكن لأي تعافٍ أن يتحقق من دونه: محاسبة من نهب المال العام وبدّد ودائع المواطنين، باعتبارها الخطوة التأسيسية لاستعادة الثقة وبناء مستقبل يليق بلبنان وشعبه.


وجاء تكليف القاضي نواف سلام بتشكيل أول حكومة في العهد الجديد ليعزّز هذا المناخ الإيجابي، منسجمًا مع المسار الذي طالما انتظره اللبنانيون. فبفضل تاريخه القضائي وصورته كرمز للاستقلالية، شكّل سلام بالنسبة لكثيرين عنوانًا لمرحلة مختلفة، يُفترض أن تعيد البلاد إلى منطق الدولة وسيادة القانون.


غير أنّ مرور الوقت، من دون ترجمة هذه الوعود إلى خطوات تنفيذية ملموسة، بدأ يثير علامات استفهام متزايدة، وفتح الباب أمام شكوك جدية حول مدى استعداد الرئيسين عون وسلام للانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن الوعود إلى القرارات الحاسمة.

وسرعان ما تراجعت الآمال لتحلّ مكانها خيبة متراكمة، مع تبلور تحوّل واضح في المقاربة الرسمية لملف سلاح حزب الله. فبعد خطاب سيادي مرتفع النبرة، تبيّن عمليًا أنّ السلطة التزمت بالحدود التي رسمها الحزب للدولة وللجيش اللبناني: نقاش حصر السلاح جنوب نهر الليطاني مقبول، أمّا شماله فبات خطًا أحمر لا يُسمح حتى بطرحه للنقاش.


وقد أعادت قرارات الخامس والسابع من آب إشاعة قدر من التفاؤل لفترة وجيزة، قبل أن تتراجع الحكومة عنها في جلسة الخامس من أيلول، التي سارع حزب الله إلى وصفها بـ«التصحيحية»، معتبرًا أنّها ألغت ما سمّاه أخطاء قراري آب. ومنذ ذلك الحين، تسارعت المواقف الرسمية باتجاه التماهي مع موقف الحزب، وصولًا إلى شبه تطابق كامل، تجلّى خصوصًا في اعتماد مقاربة «احتواء» السلاح شمال الليطاني، أي الإبقاء عليه في يد حزب الله مقابل تعهّد بعدم تحريكه أو استخدامه. وهي مقاربة لا يمكن توصيفها إلا باعتبارها خطابًا شكليًا يفتقر إلى المضمون، ويتناقض مع أبسط مقوّمات السيادة وقيام الدولة.


ولم يقتصر أثر هذا الانسجام المستجد بين السلطة وحزب الله على الداخل اللبناني، بل انعكس أيضًا في تصعيد التحذيرات الدولية الموجّهة إلى المسؤولين. فقد نُقلت هذه التحذيرات بوضوح، سواء في اللقاءات الثنائية أو عبر الإعلام، مؤكدة أنّ الدولة اللبنانية عاجزة وغير راغبة في تحمّل مسؤولياتها السيادية. كما حذّرت من أنّ استمرار هذا الواقع قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري إسرائيلي ومواجهة جديدة مع حزب الله، تحت مظلّة أميركية، لتنفيذ ما امتنعت الدولة عن القيام به، أي تفكيك ما تبقّى من سلاح الحزب وبنيته العسكرية، ولو كان الثمن زعزعة استقرار لبنان مجددًا.


وزادت تصريحات الرئيس عون الأخيرة من بكركي خلال أعياد الميلاد منسوب القلق والإحباط. فإعلانه أنّ قرار حصر السلاح قد اتُّخذ، لكن تنفيذه أُرجئ إلى «الظروف المناسبة»، لم يطمئن اللبنانيين، بل أعاد فتح باب المخاوف من الانزلاق مجددًا نحو الحرب. فالحديث عن «الظروف» يتنافى مع مفهوم سلطة الدولة وسيادتها، إذ إنّ الدولة الفعلية لا تؤجّل ممارسة سلطتها ولا تربطها باعتبارات ظرفية.


ويزداد هذا القلق إذا ما أُخذ في الاعتبار أنّ حزب الله لم يتخلَّ عن سلاحه جنوب الليطاني إلا بعد حرب مدمّرة كبّدته خسائر فادحة وأطاحت بجزء كبير من قيادته. فهل يُعقل أن تبقى السلطات اللبنانية متخلّية عن مسؤولياتها السيادية، بانتظار حرب جديدة تُغرق البلاد في مزيد من الدمار، لفرض ما عجزت الدولة عن تنفيذه؟ ويتفاقم هذا الهواجس مع ترقّب اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث يُتوقّع أن يحتل ملف حزب الله موقعًا مركزيًا على جدول الأعمال، بما يحمله من مؤشرات خطيرة لاحتمال تصعيد عسكري واسع ضد الحزب.

وإلى جانب التعثّر على المستوى السيادي، برز فشل السلطة، أو تواطؤها، في مقاربة ملفات الإصلاح الإداري والاقتصادي والمالي. إذ تبيّن سريعًا أنّ منطق الدولة لم يتقدّم خطوة واحدة، فيما عاد منطق المحاصصة الطائفية ليهيمن على آليات القرار، على حساب الكفاءة والنزاهة، في التعيينات الإدارية والقضائية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية. وكأنّ العهد الجديد، الذي وُلد على وقع وعود التغيير، اختار إعادة إنتاج المنظومة نفسها بأدوات مختلفة وخطاب أكثر تلميعًا.


ويُشكّل مشروع قانون «الفجوة المالية» المثال الأحدث على هذا الإخلال بالوعود الإصلاحية، إذ جرى إعداده على حساب حقوق المودعين، وبمقاربة عشوائية تفتقر إلى العدالة والمنطق الإصلاحي، بدل أن يستند إلى تدقيق مالي جنائي شامل يكشف الأموال غير المشروعة، ويميّز بوضوح بين مودع سُرقت مدّخرات عمره، وآخر راكم ثروته عبر الفساد. عندها فقط كان يمكن تحديد من يستحق استعادة أمواله كاملة، ومن يجب مصادرة أمواله وملاحقته قضائيًا، بغضّ النظر عن حجم وديعته.

خلاصة القول إنّ عام 2025 انطلق على وقع حرب ومعادلات جديدة أفرزتها، جاءت بجوزاف عون ونواف سلام إلى السلطة، وأنتجت خطاب قسم وبيانًا وزاريًا بسقف سيادي وإصلاحي لم يكن ممكنًا لولا هزيمة حزب الله في تلك الحرب. وقد حملت تلك المرحلة وعودًا بالمحاسبة، وإصلاح الدولة، واستعادة أموال المودعين. إلا أنّ الواقع مع اقتراب نهاية العام يكشف أنّ لبنان يقف مجددًا على حافة مواجهة جديدة قد تمتد إلى بدايات عام 2026، بفعل استمرار تعنّت حزب الله.


وفي هذا السياق، لا يزال اللبنانيون يعلّقون آمالهم على أن تضطلع السلطة السياسية بمسؤولياتها السيادية، عبر حصر السلاح بيد الدولة وتجنّب البلاد حربًا جديدة، كما يواصلون الرهان على التزام المسؤولين بوعود الإصلاح، ومكافحة الفساد، ووضع حدّ لمنطق المحاصصة، والصفقات الخلفية، والزبائنية السياسية.