من ضبط النفس إلى المعركة المصيرية: تحوّل قواعد الاشتباك في لبنان

مارس 6, 2026 - 07:11
 0
من ضبط النفس إلى المعركة المصيرية: تحوّل قواعد الاشتباك في لبنان

كتب د اسامة توفيق مشيمش:
منذ وقف إطلاق النار من جانب المقاومة اللبنانية في الحرب الماضية، لم يتوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان. على العكس، استمرّت إسرائيل في استهداف مختلف المناطق اللبنانية تحت ذرائع جاهزة ومكرورة، أبرزها ضرب “البنية التحتية للمقاومة” واستهداف العناصر البشرية الفاعلة. هذا السلوك لم يكن استثناءً ولا ردّ فعل آنيًا، بل جاء ضمن نهج ثابت يقوم على استنزاف الخصم ومحاولة فرض معادلات جديدة بالقوة، في ظل صمت دولي وتواطؤ سياسي مكشوف.


في المقابل، ارتفعت في الداخل أصوات تطالب المقاومة بالردّ، وباستخدام مختلف الوسائل، معتبرة أن استمرار ضبط النفس لم يعد مجديًا، وأن سياسة التغاضي لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الاعتداءات. ومع تراكم الضربات وتجاوز الخطوط الحمراء، بلغ السيل الزبى، لا سيما بعد استهداف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، الذي لا يُمثّل فقط رأس هرم القيادة السياسية في إيران، بل يشكّل أيضًا مرجعًا دينيًا تقليديًا لأكثر من 250 مليون شيعي حول العالم.


هذا الحدث المفصلي كشف، للقاصي والداني، أن المسألة لم تعد محصورة بساحات اشتباك محدودة أو رسائل متبادلة، بل باتت جزءًا من خطة أوسع تستهدف مفهوم الثورة نفسه، وكل الأنظمة والقوى المنضوية في هذا المحور. البداية كانت بمحاولة كسر إيران، باعتبارها مركز الثقل، على أن يتبعها استهداف الحلفاء واحدًا تلو الآخر، وفي مقدّمهم المقاومة في لبنان.


من هنا، أدركت المقاومة اللبنانية أن الدور آتٍ لا محالة، وأن الهدف لم يعد الضغط أو الاحتواء، بل السحق الشامل وإنهاء وجودها العسكري والسياسي. هذا الإدراك شكّل نقطة تحوّل في مقاربة المواجهة. فالمعركة المقبلة، كما تبلورت في وعي القيادة والبيئة الحاضنة، لن تكون معركة “تسجيل نقاط” أو تحسين شروط تفاوض، كما صرّح سابقًا الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، بل هي معركة مصيرية للدفاع عن الوجود، وعن المكتسبات التي تحققت خلال أكثر من عشرين عامًا في لبنان.


هذه المكتسبات، التي شكّلت عنصر ردع أساسي في مواجهة إسرائيل، بدأت في السنوات الأخيرة بالتناقص والتآكل، ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل أيضًا نتيجة التهاون والتغاضي عن كثير من القضايا الحساسة، تحت عناوين مراعاة الشركاء أو إرضاء الخصوم في الداخل والخارج. إلا أن التجربة أثبتت أن هذه السياسة لم تحمِ البلاد، ولم تُجنّب المقاومة الاستهداف، بل شجّعت العدو على التمادي.


من هذا المنطلق، فإن الصواريخ الستة التي أُطلقت باتجاه فلسطين المحتلة لا يمكن اختزالها بدعم مباشر للمعركة التي فُتحت مع إيران. هي، في جوهرها، رسالة مزدوجة: أولًا، تثبيت عناصر القوة وإعادة التأكيد على أن المقاومة ما زالت قادرة وحاضرة، وثانيًا، إبلاغ العدو بأن معركة الثأر قد بدأت، وأن مرحلة جديدة من الصراع قد فُتحت، عنوانها أن ما بعد اليوم لن يشبه ما قبله، وأن الغد، بالفعل، لناظره قريب.