تدنّي الحضور الأميركي في اجتماع القاهرة له حساباته الأمنية والسياسية.. الخلاف الفرنسي مع واشنطن يتفاقم بعد استدعاء السفير كوشنر في باريس
تحليل سياسي يكشف خلفيات تدنّي مستوى المشاركة الأميركية في الاجتماع التحضيري لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، ويبحث في تأثير التوتر الأميركي – الإيراني والخلاف الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وفرنسا على مسار الدعم الدولي للبنان، إضافة إلى انعكاسات الحسابات الإقليمية المرتبطة بإيران وملفات الجنوب وسلاح حزب الله على حجم المساعدات المرتقبة.
كتب غاصب المختار:
لاحظت مصادر متابعة لتحضيرات مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية المقرر عقده في باريس بعد عشرة أيام، ان الحضور الأميركي في اجتماع القاهرة التحضيري للمؤتمر قبل يومين، كان هزيلاً وعلى مستوى أدنى من مستوى الوفود العربية لا سيما المصري والسعودي والقطري، إذ اقتصر حسب معلومات «اللواء» على مندوبة من السفارة الأميركية في بيروت مع طاقم صغير وبعض ضباط لجنة الميكانيزم، ولم يحضر السفير الأميركي ميشال عيسى إسوة بسفراء زملاء له في بيروت.
لكن المصادر المتابعة لتحضيرات مؤتمر باريس أوضحت لـ «اللواء»: ان تدنّي مستوى الحضور لا يعني بالضرورة مؤشراً سلبياً على المقاربة الأميركية لدعم الجيش والقوى الأمنية في لبنان، بل ربما يعود لأسباب أمنية تخصّ طاقم السفارة الأميركية في بيروت بعد ترحيل عشرات الدبلوماسيين غير الأساسيين وعائلاتهم، بسبب ما وصفته الخارجية والسفارة الأميركية «مخاطر أمنية في بيروت». ذلك أن للأميركيين حاليا وضع أمني خاص نتيجة التوتر القائم بين واشنطن وطهران والتلويح بالحرب وترقّب رد الفعل الإيراني.
وترى المصادر من بين الأسباب أيضاً، وجود أولويات أميركية أخرى في المنطقة، وتراجع الاهتمام الأميركي بلبنان بسبب إنشغال كل الإدارة الأميركية بإدارة المفاوضات مع إيران والحشود العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط والبحر المتوسط استعداداً لضرب إيران، لكن هذا لا يعني عدم مساهمة واشنطن في دعم الجيش والقوى الأمنية، بل ان الدعم قائم ومستمر أصلاً من دون أو مع مؤتمر باريس.
لكن المصادر تشير أيضاً الى ان الخلاف الأميركي - الفرنسي قد يؤثر على توجه واشنطن حيال الوضع اللبناني، وبات لا يقتصر على اختلاف مقاربات الطرفين للتعاطي مع لبنان، بل تجاوزه الى تأزّم أكبر وخلاف دبلوماسي كبير انكشف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد استدعاء باريس للسفير الأميركي في فرنسا، وتقديم احتجاج رسمي على تدخّله في قضايا فرنسية داخلية، بعد تعليقاته على مقتل شاب فرنسي من أحزاب اليمين يدعى كانتان دورانك (23 عاما) قبل أيام قليلة على يد ناشطين من اليسار خلال تظاهرة في مدينة ليون حسبما تردد وقتها، ووصل الخلاف الى حد اتخاذ الحكومة الفرنسية قرار قطع العلاقة والتواصل مع السفير.
وقرر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو منع السفير الأميركي تشارلز كوشنر، من التواصل المباشر مع أعضاء الحكومة الفرنسية، وذلك بعد عدم تلبيته استدعاء رسميا بمقر الخارجية الفرنسية. وأوضحت الخارجية الفرنسية -في بيان- أن تقييد وصول كوشنر لمسؤولي الحكومة الفرنسية يأتي «نظرا لافتقاره الواضح إلى فهم المتطلبات البديهية لمهام السفير الذي يحظى بشرف تمثيل بلده».
وأفادت مصادر دبلوماسية بأن كوشنر، وهو والد جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترامب، لم يحضر للاجتماع الذي كان مقررا الاثنين الماضي وأوفد بدلا منه مسؤولا في السفارة بحجة «ارتباطات شخصية». لكن بقي الباب مفتوحا أمام دعوة السفير كوشنر لزيارة الخارجية الفرنسية وتوضيح موقف بلاده. فكان ان تعهد كوشنر بعدم التدخّل في أي نقاش سياسي فرنسي داخلي. ولكن سبق أن استُدعي كوشنر مرة أخرى بسبب انتقاده تعامل فرنسا مع حوادث مرتبطة «بمعاداة السامية»، وقد تغيّب حينها أيضا وأوفد مسؤولا لتمثيله.
وبكل الأحوال وبغضّ النظر عن الخلاف بين البلدين، يبقى القرار الأميركي بشأن لبنان خاضعاً لحسابات سياسية وأمنية أميركية خاصة، تتعلق بمطالب واشنطن وتوازيا كيان الاحتلال ليس حول ما يتعلق فقط بتقديم المساعدات للجيش وحول خطته لحصر السلاح شمال الليطاني ووضع الشريط الحدودي، بل بما يتعلق بمجمل الوضع الداخلي اللبناني من الانتخابات والتوازنات الداخلية، الى العلاقة مع سوريا ومع إيران، ومن التوجه لعقد اتفاقات سلام أو تطبيع لاحقاً.
وقد يعتبر البعض ان تدنّي مستوى المشاركة الأميركية في اجتماع القاهرة هو رسالة الى لبنان بأن التعامل مع حكومته هو حسب الموضوع، فثمة ما يثير الاهتمام الأميركي مثل وضع الجنوب وسلاح حزب الله، وثمة الكثير مما لا يثير إهتمامه. وهنا يُطرح السؤال عن حجم الدعم الممكن أن تقدمه الإدارة الأميركية للجيش والقوى الأمنية في مؤتمر باريس ربطا بما تريد واشنطن أن يقدمه لبنان في المجال السياسي والأمني الذي يخدم مشروعها اللبناني.


