لهذه الاسباب تنصّلت باريس من مُبادرتها
كتب ميشال نصر في "الديار":
كان بيان وزارة الخارجية الفرنسية بكلماته القليلة، بتطيير الايجابية التي عاشها بعض اللبنانيين، بين الاجواء الزهرية التي بثتها بعض السلطة عن وفد تفاوض واسماء، قبل ان يستكمله موقع "اكسيوس" الذي ذهب بعيدا في تحديد بنود وشروط، قبل ان تقضي خارجية "اسرائيل" على ما تبقى من امل، مختصرة الرحلة: " مش هممنا التفاوض".
فبعيدا عن الاسباب التي اوصلت الاوضاع الى ما وصلت اليه، تشير مصادر ديبلوماسية الى ان بيروت ارتكبت خطأ استراتيجيا بتكليفها الرئيس ماكرون ادارة معركتها السياسية، والتفاوض عنها دوليا، رغم معرفتها الكاملة بانه شخصية "غير مرحب بها"، سواء في واشنطن او "تل ابيب"، وكذلك من مبادراته التي كانت دوما ترفض، ولم يكن آخرها نسف آلية الميكانيزم تحت عنوان اخراج فرنسا منها.
وتقول المصادر ان جوهر المبادرات التي قدمتها "الام الحنون" خلال الايام الاخيرة، لم يختلف عما كانت عرضته طوال الاشهر السابقة، حتى انها عرضت على "تل ابيب" بعيد سقوط وقف النار بيومين مبادرة من بندين: الاول عودة السلطة اللبنانية الى تطبيق خطة حصر السلاح بوتيرة اسرع، تحت اشراف ومراقبة ومساعدة باريس. والثاني التزام فرنسا بتجهيز وتسليح واصلاح اوضاع المؤسسة العسكرية خلال فترة وجيزة بتمويل سعودي مقدمة كحسن نية، دفعة مساعدات فورية عبارة عن آليات مصفحة، غير ان الرد الاسرائيلي جاء سريعا بالرفض، دون حتى فتح باب النقاش.
وتابعت المصادر ان ما نشره موقع "اكسيوس" لم يكن سوى افكار، لم يرق الى مستوى المبادرة، استوحته باريس من المبادرة التي اطلقها رئيس الجمهورية واساسها: حوار سياسي مباشر مع "اسرائيل"، مضيفة اليها فكرة الاعتراف اللبناني بدولة اسرائيل، "كطعم" لجر "تل ابيب" الى طاولة التفاوض، تزامنا مع خطوات امنية وعسكرية تتخذها السلطة اللبنانية، غير ان هذا الطرح اصطدم بتصلب اميركي - اسرائيلي مشترك، اعادته المصادر الى الغياب الكامل للثقة بالرئاسات والحكومة اللبنانية، على ما ابلغه الرئيس دونالد ترامب للرئيس ايمانويل ماكرون خلال اتصال مطول بينهما.
وكشفت المصادر ان الافكار الفرنسية، لم تحظ حتى بموافقة اطراف "خماسية باريس" التي رفضت تبنيها، فضلا عن وجود خلافات اوروبية حولها، واتهامات لباريس بالتصرف الاحادي من خارج الاطر الدستورية للاتحاد، والالتزام بما ليس من صلاحياتها، خصوصا ان اكثر من دولة اوروبية رفضت السير بخيارات ترفضها واشنطن.
وفي هذا الاطار، فندت المصادر الرفض الاسرائيلي، متوقفة عند النقاط التالية:
- يبدأ المفاوضات ديبلوماسيون كبار قبل أن تنتقل إلى المستوى السياسي، وهو ما ترفضه "تل ابيب" تماما، اذ تصر على ان يكون على مستوى وزاري.
- اصرار فرنسا على مسألتي القرار ١٧٠١ واليونيفيل، وهو ما تعتبره "تل ابيب" انه بات من الماضي، فبالنسبة للمستويين العسكري والسياسي تغير موازين القوى، وقواعد الاشتباك يفترضان الذهاب باتجاه قرارات وآليات جديدة، لا اعادة احياء تسويات قديمة سقطت مع انكسار علة وجودها.
- ربط ترسيم الحدود بين لبنان و"اسرائيل" بترسيمها بين بيروت ودمشق، وخلال مهلة قصيرة، وهو ما تم الاتفاق عليه في الاتصال الثلاثي بين ماكرون - الشرع - عون، وهو ما عقد الحلول، اذ اعتبرت "تل ابيب" ان في ذلك مسا بمصالح امنها القومي، ويشكل نقطة ضعف في مفاوضاتها الامنية مع سوريا، تحديدا مزارع شبعا والجولان وجبل الشيخ.
- رغبة فرنسا برعاية هذه المفاوضات سواء في باريس او قبرص، وهو ما ترفضه "اسرائيل" بشكل كامل غير قابل للنقاش، معتبرة باريس جهة غير صالحة لرعاية هذا الحوار، او طرفا صالحا لقيادة وساطة.
واعتبرت المصادر ان رئيس الوزراء الاسرائيلي، بتعيينه وزير الشؤون الاستراتيجية السابق رون ديرمر، كمسؤول عن الملف والمفاوض، ربط بدوره بين الملفين اللبناني والسوري، هذا فضلا عن شخصية ديرمر الصعبة والمركبة، والتي تستلزم تكليف وفد مختلف تماما عما تعده بيروت، سواء لجهة الاشخاص او الصلاحيات.
وختمت المصادر، بان الجبهة التي نشأت من السلطة اللبنانية، الام الحنون، وبعض الشخصيات الاميركية، فشلت في تحقيق اي خرق، بل على العكس لمست تشددا اميركيا اكبر، خصوصا مع محاولة بعض الجهات الاميركية العمل على "فرض" نفسها كمفاوض في الملف، لحسابات داخلية و"مصلحية"، وهو ما دفع اللبنانيون ثمنه في النهاية، حربا مستمرة لا زالت وفقا للعالمين في مرحلة "التحمية".


