أيّ لبنان كان يُراد… وأيّ لبنان أصبح؟
مقارنة تحليلية بين لبنان الذي سعى إليه رفيق الحريري بعد الحرب، ولبنان الذي وصل إلى الانقسام والانهيار الاقتصادي، في قراءة هادئة لمسار المشروع السياسي والاقتصادي وتحولاته.
كتبت هناء بلال
حين يُذكر اسم رفيق الحريري، لا يُستحضر رجل دولة فحسب، بل مرحلة كاملة من تاريخ لبنان الحديث. مرحلة حملت عنوانًا كبيرًا اسمه “إعادة الإعمار”، وسؤالًا أكبر اسمه: أيّ لبنان نريد بعد الحرب؟
بعد انتهاء الحرب الأهلية، كان البلد مدمّرًا اقتصاديًا وبنيويًا ونفسيًا. في تلك اللحظة، برز مشروع يقوم على إعادة بناء العاصمة، ترميم البنية التحتية، وإعادة لبنان إلى الخريطة العربية والدولية. كان الرهان على اقتصاد خدماتي منفتح: مصارف، سياحة، جامعات، مؤتمرات، واستثمارات عربية وغربية. كان الطموح أن يستعيد لبنان صورته كجسر بين الشرق والغرب، وكعاصمة نابضة بالحياة في المنطقة.
لكن هذا المشروع، الذي أعاد إعمار وسط بيروت وأطلق ورشة إنمائية واسعة، لم يكن بلا أثمان. فقد تراكم الدين العام بشكل كبير، وارتبط النموذج الاقتصادي بتدفقات خارجية حسّاسة لأيّ اهتزاز سياسي أو إقليمي. ومع الوقت، بدأت تظهر هشاشة البنية الاقتصادية أمام الأزمات.
عام 2005 شكّل مفصلًا حادًا. اغتيال الحريري لم يكن حدثًا أمنيًا فقط، بل نقطة تحوّل سياسية عميقة. دخل لبنان مرحلة انقسام عمودي بين محاور داخلية وخارجية، وتوالت الاغتيالات والأزمات الحكومية، وتراجعت الثقة تدريجيًا. تحوّل البلد شيئًا فشيئًا من ساحة ورشة إعمار إلى ساحة تجاذب إقليمي.
ومع مرور السنوات، تكشّفت أزمات بنيوية أعمق: اقتصاد ريعي، عجز مزمن، فساد مستشرٍ، ونظام طائفي يقيّد أي إصلاح جذري. جاءت انتفاضة 2019 لتكشف حجم الغضب الشعبي، ثم الانهيار المالي الذي أطاح بالعملة والودائع، وأخيرًا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليجسّد مأساة دولة متآكلة.
بين لبنان الذي رُسمت له صورة الاستقرار مقابل النمو، ولبنان الذي يعيش اليوم انهيارًا غير مسبوق، مسافة زمنية قصيرة لكنها مليئة بالتعقيدات. لا يمكن اختزال المسألة بشخص واحد، كما لا يمكن تجاهل أن مرحلة ما بعد الحرب أسّست لنموذج حمل في داخله عناصر قوته وضعفه معًا.
السؤال لم يعد: ماذا كان يريد هذا القائد أو ذاك؟
السؤال اليوم: هل يملك لبنان مشروعًا جامعًا يُخرجه من دوامة الانقسام؟
فالبلد الذي حلم يومًا بأن يكون مركزًا للمال والثقافة والسياحة، بات يحلم فقط بالاستقرار والكهرباء والعملة المستقرة. وبين الحلمين، تقف السياسة، والنظام، وغياب الرؤية المشتركة.
لبنان لم يفقد قدرته على النهوض. لكنه يحتاج إلى ما هو أبعد من استعادة الماضي؛ يحتاج إلى عقد جديد يوازن بين الاقتصاد المنتج، والدولة القادرة، والسيادة الواضحة، والعدالة الاجتماعية.
ربما لم يكن الخلاف يومًا على حب لبنان…
بل على شكل لبنان الذي نريده.


