رفيق الحريري «الأسطورة».. إمبراطورية من زهر الليمون أضاعها المتباكون على ضريحه
، يستعرض المقال مسيرة الرجل الذي انطلق من بساتين صيدا ليبني إمبراطورية اقتصادية ويقود مشروع إعادة إعمار لبنان بعد الحرب، قبل أن ينتهي الحلم بانفجار 14 شباط 2005 في بيروت. قراءة وجدانية في صعود شركة «سعودي أوجيه»، وانهيار الإرث السياسي والاقتصادي بعد رحيله، وانتقاد لتحويل ذكراه إلى مادة للمتاجرة السياسية.
كتب زياد سامي عيتاني في "اللواء":
هناك قصص تُروى فتُلامس القلوب قبل العقول، وسيرة رفيق الحريري واحدة منها. إنها حكاية رجل نبتت أحلامه بين أشجار الليمون في صيدا، ليصبح اسمه عنواناً للطموح اللبناني، قبل أن يشاء القدر أن تتحوّل هذه الأسطورة إلى ذكرى تُثقل الصدور بالحنين والحسرة.
لكن الأمرّ من رحيله، أن يتحوّل اسمه اليوم إلى بضاعة رخيصة يتاجر بها من لا يحملون من إرثه سوى الاسم. تجار ذكريات وسماسرة موت، يستحضرون صورته في كل مناسبة، يتباكون على ضريحه، يرفعون لافتاته، وهم الذين أضاعوا كل ما بناه. يبحثون عن مجد ضائع لن يبلغوه أبداً، لأن المجد لا يُشترى بالشعارات ولا يُورث بالدم، بل يُبنى بالعرق والحكمة والتضحية.
لم يكن رفيق الحريري مجرد سياسي عابر، رغم انخراطه الشبابي بحركة «القوميين العرب». لم يولد في قصر من ذهب، بل في بيت متواضع تفوح منه رائحة الكفاح والكرامة. من هناك، من بين البساتين وأزقة صيدا العتيقة، انطلق هذا الفتى يحمل على كتفيه حلم أمه التي آمنت بالتعليم، وعرق جبين أبيه الذي كدّ في البساتين.
تحوّل هذا الابن البار إلى أسطورة حيّة، بنى لبنان من الركام، وأعاد إليه بريق الحياة بعد سنوات الحرب القاسية. كان يسابق الزمن بإيمان لا يتزعزع، وعزيمة فولاذية، وقلب كبير يحمل وطناً كاملاً.
من قطف الليمون إلى قمم المجد
كم هي مؤثرة تلك الصورة: طفل صغير يقطف الليمون ليساعد عائلته، يدرس ويعمل في آن، محاسباً في النهار ومدققاً لغوياً في الليل، لا يعرف الكلل ولا الملل. كل قرش يوفره كان بذرة أمل، وكل ساعة يسهرها كانت خطوة نحو الحلم.
تزوج من زميلة دربه في الجامعة، وحزم حقائبه نحو السعودية، حاملاً شهادة في المحاسبة وقلباً ملؤه الطموح. هناك، في أرض الفرص، بدأت الحكاية الحقيقية. من مدرس متواضع إلى محاسب، ثم إلى مقاول، كان رفيق يصعد السلم درجة درجة، بصدق وأمانة جعلا الجميع يثق به.
لحظة المجد التي صنعت الأسطورة
عام 1976، جاءت اللحظة الفارقة. عقد ضخم لبناء فندق في الطائف خلال عشرة أشهر فقط. مهمة مستحيلة في نظر الكثيرين، لكنها كانت الفرصة التي انتظرها رفيق طوال حياته. تعهّد بإنجاز المستحيل، وسافر إلى باريس، والتقى بالمصرفيين، وأقنع الشركات الفرنسية، وعاد منتصراً.
أُنجز الفندق في موعده، وانفتحت أمام رفيق أبواب السماء. ثقة الأمير فهد كانت أغلى من الذهب، وشركة «أوجيه» التي كانت على حافة الإفلاس، أصبحت بين يديه إمبراطورية تُضاهي أعظم الشركات العالمية.
إمبراطورية بحجم الوطن
لم يكن رفيق الحريري يبني لنفسه فقط، بل كان يبني للبنان الذي يحمله في قلبه أينما حلّ. استثماراته في باريس، في أميركا، في الصين، في كل مكان، كانت تحمل بصمة لبنانية فخورة. مسكن غوستاف إيفل، برج هاينز، أسهم في أعرق البنوك... كلها محطات في رحلة رجل لم يعرف المستحيل.
وحين عاد إلى لبنان، أعاد بنائه حجراً حجراً. وسط بيروت المدمّر تحوّل إلى جوهرة، والطرقات المقطوعة أصبحت شرايين حياة، والمدارس والجامعات فتحت أبوابها لآلاف الطلاب. كان رفيق يزرع الأمل في كل مكان يحلّ فيه.
انفجار مزلزل... وبداية الأفول
لكن القدر كان يُخبئ نهاية مأساوية لهذه الملحمة الجميلة. في الرابع عشر من شباط 2005، اهتزّ لبنان على صوت انفجار مزلزل في وسط بيروت. لم يكن انفجاراً عادياً، بل كان إعلان نهاية حقبة كاملة. سقط رفيق الحريري شهيداً، وسقط معه حلم كبير.
ذلك الانفجار المزلزل لم يقتل رجلاً فحسب، بل قتل معه رؤية كاملة لمستقبل لبنان. لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل كان ضربة قاصمة للإمبراطورية التي بناها بعرق جبينه على مدى عقود. التراب الذي تطاير في ذلك اليوم الأسود، حمل معه أحلام وطن كامل.
انهيار الإمبراطورية... صمتاً وبطئاً
بعد رحيله، بدأت الإمبراطورية تترنح. ليس فجأة، بل ببطء قاسٍ، كما تذبل زهرة حُرمت من الماء. شركة «أوجيه» العملاقة، التي كانت رمز النجاح اللبناني، بدأت تواجه صعوبات مالية متزايدة. الديون تراكمت، والمشاريع توقفت، والاستثمارات تبخّرت واحدة تلو الأخرى.
لم يكن هناك من يملك تلك اللمسة السحرية، تلك الرؤية الثاقبة، تلك العلاقات الاستثنائية التي بناها رفيق على مدى أربعة عقود. الرجل الذي كان يحوّل التحديات إلى فرص، والفشل إلى نجاح، غاب... وغابت معه المعجزات.
في السعودية، تراجعت المكانة التي كانت للحريري. في فرنسا، ضعف التأثير. في كل مكان، كان غيابه يُترجم خسارة تلو الأخرى. الإمبراطورية التي بُنيت بعبقرية فرد استثنائي، لم تستطع الصمود طويلاً بعد غيابه.
الحلم اللبناني... ضائع في المتاهات
لكن الأمرّ من كل ذلك، لم يكن انهيار الإمبراطورية الاقتصادية، بل انهيار الحلم السياسي. لبنان الذي أعاده رفيق من رماد الحرب، عاد يغرق تدريجياً في الفوضى. الاستقرار الذي زرعه بحكمته، تحوّل إلى اهتزازات وانقسامات. الرؤية الاقتصادية الطموحة التي رسمها، ضاعت في متاهات الصراعات السياسية.
التوازنات الدقيقة التي كان يحافظ عليها بين المحاور المتصارعة، انهارت. العلاقات الإقليمية والدولية التي نسجها بصبر وحكمة، تفككت. كل شيء بناه بدأ يتداعى، لأن الرجل الذي كان يمسك بكل الخيوط، لم يعد موجوداً.
لبنان الذي كان يتعافى، عاد إلى النزيف. الاقتصاد الذي كان ينمو، بدأ يترنح ثم انهار. الأمل الذي كان يملأ القلوب، تحوّل إلى يأس وإحباط. وكأن انفجاراً واحداً كان كافياً لقتل وطن كامل، وليس مجرد رجل.
عبق الليمون... والحسرة الأبدية
اليوم، حين نمرّ بوسط بيروت، نتذكّر رفيق الحريري. حين نرى طالباً جامعياً يحمل حقيبته، نتذكّر من بنى الجامعات. وحين نشمّ رائحة زهر الليمون، نتذكّر ذلك الطفل الصغير الذي قطف الليمون ليصبح أسطورة.
لكن القلب يعتصره الألم مرتين: مرة حين نرى كيف انهار كل شيء بعد رحيله، ومرة أخرى حين نرى كيف يتاجرون بذكراه اليوم. يرفعون صوره في الساحات، ويستحضرون اسمه في الخطب، ويتباكون على ضريحه في كل ذكرى، بينما هم من دمّروا كل ما بناه.
تجار الذكريات وسماسرة الموت، يبحثون عن مجد ضائع تحت أنقاض الإمبراطورية التي انهارت بين أيديهم. يظنون أن الصور واللافتات والشعارات ستعيد لهم ما فقدوه، لكنهم لا يدركون أن المجد الحقيقي لا يُستعاد بالكلام، بل يُبنى بالعمل والتضحية والإخلاص.
رفيق الحريري بنى إمبراطورية من العدم بيديه، بينما هم يبحثون عن مجدهم الضائع بين ركام ما دمّروه. هو زرع الأمل والعمران، وهم زرعوا اليأس والخراب. هو كان يبني للمستقبل، وهم يعيشون على ماضٍ لم يصنعوه.
الإمبراطورية التي بُنيت بالحب والعرق والدموع، تلاشت لأنها كانت مرتبطة بروح واحدة، بعبقرية فرد، بإيمان رجل استثنائي. وذكراه التي يجب أن تكون مصدر إلهام للبناء والعمل، تحوّلت في أيدي البعض إلى بضاعة رخيصة للمتاجرة والاستغلال.
رفيق الحريري لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان حلماً لبنانياً بأن الإنسان يستطيع أن يصنع المستحيل. ورحيله المأساوي كان تذكيراً قاسياً بأن بعض الرجال لا يُعوَّضون، وأن بعض الأحلام تموت مع أصحابها، خاصة حين يتسلّم الراية من لا يستحقونها.
انطفأت الإمبراطورية كما تنطفئ شمعة في ليل عاصف. بقيت الذكريات، وبقي عبق زهر الليمون، وبقيت الحسرة على رجل بنى وطناً، ثم رحل تاركاً إياه في أيدي من حوّلوه إلى خراب، بينما يتاجرون بذكراه بحثاً عن مجد لن يبلغوه أبداً.
رحم الله رفيق الحريري، الرجل الذي علّمنا أن الحلم يبدأ من بين أشجار الليمون، وأن النجاح الحقيقي هو أن تبني وطناً في القلوب قبل أن تبني إمبراطورية من حجر. لكنه علّمنا أيضاً، بغيابه المفجع وبما آل إليه إرثه، أن بعض الرجال يحملون أوطاناً على أكتافهم، وحين يسقطون، يأتي من يدّعون حمل الراية، لكنهم في الحقيقة لا يحملون سوى أوهام المجد الضائع، وتجارة رخيصة بدماء الشهداء وذكرى العظماء.


