الفتوحات الإسلامية في مرآة السرد السرياني: نحو كتابة متعددة الذاكرة للتاريخ المبكر

يناير 1, 2026 - 14:38
 0
الفتوحات الإسلامية في مرآة السرد السرياني: نحو كتابة متعددة الذاكرة للتاريخ المبكر

كتب باسم الموسوي:
لم تكن الفتوحات الإسلامية حدثًا عسكريًا فحسب، بل لحظة كسر تاريخي عميق أعاد تشكيل المجال السياسي والديني والثقافي للشرق الأدنى. غير أن كتابة هذا التحول ظلّت، في الوعي العربي والإسلامي، أسيرة مدونة تاريخية واحدة تقريبًا، كُتبت في الغالب بعد قرن أو أكثر من وقوع الأحداث، وحملت معها إشكالات الذاكرة، والتدوين، وإعادة البناء الأيديولوجي. من هنا تكتسب العودة إلى المصادر السريانية المبكرة أهمية خاصة، لا بوصفها «شهادات خارجية» أو «روايات معادية»، بل باعتبارها تعبيرًا عن ذاكرة موازية تشكّلت داخل الفضاء نفسه الذي شهد الفتوحات، وباللغة الثقافية والدينية لجماعات كانت جزءًا من النسيج الاجتماعي لتلك المرحلة.


ينطلق الكتاب موضوع القراءة من هذه الفرضية الأساسية: إن الروايات السريانية المبكرة، على الرغم من طابعها اللاهوتي الواضح ومشكلاتها المنهجية، تمثّل مادة تاريخية لا يمكن تجاوزها إذا أردنا فهم الفتوحات بوصفها حدثًا معيشًا، لا مجرد سردية منتصرة أعيد بناؤها لاحقًا. فهذه النصوص كُتبت في زمن قريب من الوقائع، وأحيانًا من قبل شهود عيان أو معاصرين مباشرين، وهو ما يمنحها قيمة زمنية لا تتوافر لكثير من المدونات العربية الإسلامية التي دُوّنت في سياق سياسي وفكري مختلف تمامًا.


لا يقدّم المؤلف هذه المصادر بوصفها بديلًا عن الرواية الإسلامية، بل يضعها في إطار مقارنة نقدية صارمة، تقوم على تحليل اللغة، والسياق، والغاية من التدوين، مع تفكيك الافتراض الشائع القائل إن كل رواية غير إسلامية عن الفتوحات هي بالضرورة رواية مشوّهة أو منحازة. فالانحياز، كما يبيّن الكتاب، ليس حكرًا على طرف دون آخر، بل سمة ملازمة لكل كتابة تاريخية، خصوصًا في لحظات التحول الكبرى.


تُظهر النصوص السريانية الفتوحات الإسلامية في صورة مغايرة للسردية العربية الكلاسيكية. فالعرب المسلمون لا يظهرون دائمًا كحَمَلة رسالة دينية واضحة المعالم، ولا كدولة ناشئة ذات مشروع سياسي مكتمل، بل غالبًا ما يُصوَّرون كقوة تاريخية جديدة، تُقرأ من خلال مفاهيم لاهوتية مسيحية راسخة: العقاب الإلهي، الامتحان، نهاية زمن وبداية آخر. هذا التأويل اللاهوتي لا يُلغي الحدث، بل يعيد تأطيره ضمن منظومة فهم ديني كانت سائدة في المجتمعات السريانية، وهو ما يفرض على الباحث المعاصر التمييز بين «الخبر» و«تفسير الخبر».


أحد أهم إسهامات الكتاب يتمثّل في تفكيك الوهم القائل إن الطابع اللاهوتي للنصوص السريانية يجعلها عديمة القيمة التاريخية. فالتاريخ القديم، كما يذكّر المؤلف ضمنيًا، لم يُكتب يومًا بلغة «محايدة» بالمعنى الحديث، بل كان دائمًا مشبعًا بالرموز الدينية والتأويلات الغيبية، سواء عند المسيحيين أو المسلمين أو غيرهم. ومن هنا، فإن التعامل العلمي مع هذه النصوص لا يمرّ عبر رفضها، بل عبر تحليل بنيتها الداخلية، ومقارنة رواياتها، وردّها إلى سياقاتها السياسية والاجتماعية.


يعالج الكتاب عددًا من النصوص السريانية الأساسية التي تناولت الفتوحات، مثل تواريخ زكريا الفصيح، وقورا البطريقي، ويوحنا الأفسسي، وديونيسيوس التلمحري. ويُظهر أن هذه النصوص، رغم اختلافها وتناقضها أحيانًا، تشترك في كونها تعبّر عن صدمة تاريخية عميقة عاشتها المجتمعات المسيحية الشرقية مع انهيار السلطة البيزنطية وتحوّل موازين القوة. هذا الاشتراك لا يُنتج سردية موحّدة، بل شبكة من الشهادات المتقاطعة التي تسمح بإعادة تركيب صورة أكثر تعقيدًا للمرحلة.


غير أن الكتاب لا يقع في فخ تمجيد هذه المصادر أو التعامل معها بوصفها «أكثر صدقًا» من المصادر الإسلامية. على العكس، يقدّم نقدًا صارمًا لمشكلاتها، سواء من حيث الاضطراب الزمني، أو الخلط الجغرافي، أو إسقاط تصوّرات لاهوتية على أحداث سياسية. بعض الروايات، كما يبيّن المؤلف، تعاني من غياب الدقة في تحديد المواقع، أو من تضخيم رمزي لبعض الوقائع، أو من إعادة تأويل الأحداث بما يخدم خطابًا دينيًا معيّنًا. إلا أن هذه الإشكالات نفسها، حين تُقرأ بوعي نقدي، تصبح جزءًا من المادة التاريخية لا عائقًا أمامها.


تكمن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة في أنها تزعزع احتكار السردية الواحدة. فالتاريخ المبكر للإسلام، كما يوحي الكتاب، لا يمكن اختزاله في مدونة واحدة، ولا في منظور واحد. بل هو تاريخ تشكّل عند تقاطع ذواكر متعددة: عربية، سريانية، بيزنطية، فارسية. وكل محاولة لكتابة هذا التاريخ من زاوية واحدة محكومة بإعادة إنتاج الصمت، لا كشف الحقيقة.


في هذا السياق، ينسجم الكتاب مع اتجاه بحثي حديث يسعى إلى إعادة قراءة البدايات الإسلامية في ضوء تعددية المصادر، بعيدًا عن ثنائية «التقديس» و«التشكيك». فالمسألة ليست نفي الرواية الإسلامية، ولا إحلال رواية أخرى محلّها، بل إخضاع الجميع لمنهج نقدي واحد، يعترف بالتحيّز، ويفكّك الأطر الأيديولوجية، ويعيد الاعتبار للسياق التاريخي.


إن إدخال الروايات السريانية في قلب النقاش حول الفتوحات لا يوسّع فقط قاعدة المصادر، بل يغيّر طبيعة الأسئلة المطروحة. فبدل السؤال عمّا «إذا كانت» هذه الفتوحات قد حدثت كما تقول الرواية الإسلامية، يصبح السؤال: كيف عاشت المجتمعات المختلفة هذا التحول؟ كيف فهمته؟ وكيف أعادت تأويله ضمن منظوماتها الرمزية؟ هذه الأسئلة لا تهدّد التاريخ، بل تُغنيه، وتنقله من مستوى السرد المنتصر إلى مستوى التاريخ المعيش.


في المحصلة، لا يقدّم هذا الكتاب أجوبة نهائية، ولا يدّعي امتلاك «الرواية الصحيحة» للفتوحات الإسلامية. لكنه ينجح في أمر أكثر أهمية: فتح أفق منهجي جديد لكتابة تاريخ البدايات الإسلامية، قائم على التعدد، والمقارنة، والحذر النقدي. وهو بذلك يذكّرنا بأن التاريخ، قبل أن يكون سجلًّا للوقائع، هو ساحة صراع بين الذاكرات، وأن مهمة المؤرخ ليست إغلاق هذا الصراع، بل جعله مرئيًا وقابلًا للفهم.