بين الثيموس وتوازن القوى: قراءة نقدية في أطروحة ريتشارد ند لباو ومواجهة الواقعية الجديدة
كتب باسم الموسوي:
يطرح ريتشارد ند لباو في كتابه Why Nations Still Fight أطروحة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في جوهرها زلزالية بالنسبة لنظريات العلاقات الدولية: الدول لا تزال تخوض الحروب رغم أن التجربة التاريخية الحديثة تثبت أن المبادرين بالحرب يخسرون غالبًا، عسكريًا أو سياسيًا أو كليهما. إن المفارقة التي ينطلق منها لباو ليست مجرد ملاحظة إحصائية، بل هي نقد جذري للبنية النظرية التي حكمت التفكير في الحرب طوال قرن على الأقل. فإذا كانت الحروب، وفق الواقعية والعقلانية، أدوات لتحقيق الأمن أو تعظيم المنفعة، فلماذا يستمر الفاعلون في استخدامها رغم تكرار الفشل؟
لباو يرفض الإجابة البنيوية التي ترى الحرب نتيجة منطقية لفوضى النظام الدولي، ويرفض كذلك الفرضية العقلانية التي تفترض أن القادة يحسبون الكلفة والمنفعة قبل الإقدام على العنف. بدلاً من ذلك، يقترح مقاربة يسميها “لاعقلانية”، تقوم على مركزية سوء التقدير، والغرور السياسي، والافتراضات الثقافية غير المفحوصة. لكنه لا يكتفي بعلم النفس السياسي؛ بل يعود إلى الفلسفة الإغريقية، مستعيدًا ثلاثية ثيوسيديدس: الخوف، والمصلحة، و”الثيموس” — أي النزوع إلى الاعتراف والكرامة والمكانة.
هنا يبدأ التوتر النظري مع الواقعية الجديدة. فـ John J. Mearsheimer، في إطار الواقعية الهجومية، يرى أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها لأن النظام الدولي فوضوي، ولأن نوايا الآخرين غير يقينية، ولأن البقاء يقتضي تقليص الاعتماد على حسن نية الغير. من هذا المنظور، الحرب ليست شذوذًا أخلاقيًا أو انحرافًا إدراكيًا، بل نتيجة منطقية لضغوط بنيوية.
أولاً: في نقد أطروحة لباو
تكمن قوة لباو في تفكيكه لأسطورة الحساب العقلاني الصافي. تاريخ الحروب منذ 1945 يقدم شواهد عديدة على سوء تقدير كارثي: التوقعات السوفياتية في أفغانستان، التقديرات الأمريكية في العراق، الرهانات الروسية في أوكرانيا. في كل حالة، لم يكن الخطأ في نقص المعلومات فقط، بل في رفض تقييم المخاطر تقييمًا جديًا. هنا يصيب لباو جوهرًا مهمًا: كثير من القادة لا يجرون حسابًا متكاملًا للتكلفة، أو يجرونه في إطار افتراضات مسبقة تجعل النتيجة شبه محتومة.
غير أن هذا التحليل يواجه إشكالًا نظريًا دقيقًا: هل “سوء التقدير” تفسير أم توصيف؟ عندما نقول إن الحرب نتجت عن خطأ في الحساب، فإننا نصف آلية الفشل، لكننا لم نفسر بعد لماذا وقع هذا الخطأ، ولماذا تكرر، ولماذا لم تصححه المؤسسات. لباو يجيب بالإشارة إلى الثقافة السياسية، والغرور القومي، وحاجة القادة إلى الاعتراف. لكن هذا ينقلنا من مستوى التحليل البنيوي إلى مستوى شبه-أنثروبولوجي، حيث تصبح الحرب تعبيرًا عن نزوع بشري إلى الكرامة أو المجد.
هنا تظهر مشكلة ثانية: إذا كانت اللاعقلانية هي القاعدة، فكيف نفسر فترات طويلة من الاستقرار بين القوى الكبرى؟ هل كانت هذه الفترات استثناءً عابرًا، أم أن هناك عقلانية كامنة تقيّد السلوك رغم نزعات الثيموس؟ يبدو أن لباو يبالغ أحيانًا في مركزية الخطأ الإدراكي، متجاهلًا أن الإدراك نفسه يتشكل ضمن بنية توزيع القوة.
ثانيًا: الواقعية الجديدة وحدودها
الواقعية الجديدة، في نسختها الهجومية، تقدم إطارًا نظيفًا ومقتصدًا: الفوضى تولد عدم يقين، وعدم اليقين يولد سباقًا نحو القوة. هذه البساطة تمنحها جاذبية تفسيرية قوية. لكنها في الوقت نفسه تعاني من نزعة حتمية. فهي تفترض أن السعي إلى القوة ردّ عقلاني على بيئة خطرة، وأن الحروب غالبًا ما تكون ناتجة عن حسابات استراتيجية.
المشكلة أن هذا النموذج لا يفسر لماذا يخطئ الفاعلون مرارًا في تقدير توازن القوى ذاته. كثير من الحروب الحديثة بدأت من قبل أطراف أضعف أو غير مستعدة. إذا كان النظام الدولي يدفع الدول إلى حساب دقيق للقوة، فلماذا يتكرر سوء الحساب؟ هنا يبدو أن الواقعية تفترض قدرًا من العقلانية يفوق ما تسمح به الوقائع.
كذلك، الواقعية تقيس النجاح بمعايير استراتيجية: هل حسّنت الدولة موقعها النسبي؟ لكن لباو يلفت إلى أن النصر العسكري لا يساوي بالضرورة نجاحًا سياسيًا. الولايات المتحدة انتصرت عسكريًا في العراق عام 2003، لكنها لم تحقق استقرارًا سياسيًا أو مكاسب استراتيجية مستدامة. الواقعي قد يقول إن الهدف كان إزالة تهديد محتمل، أما لباو فيرى أن الفرضية نفسها — وجود تهديد يستوجب الحرب — كانت نتيجة سوء تقدير مشبع بثيموس قومي.
ثالثًا: الثيموس مقابل السعي إلى القوة — مقارنة فلسفية
هنا نصل إلى قلب المقارنة الفلسفية.
في التراث الإغريقي، الثيموس ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو عنصر بنيوي في النفس، يتوسط بين العقل والشهوة. إنه رغبة في الاعتراف، في المكانة، في أن يُنظر إلينا كذوي قيمة. عند أفلاطون، المدينة العادلة تقوم على توازن بين العقل والثيموس والرغبة. وإذا اختل التوازن، انقلبت السياسة إلى صراع مجدٍ أعمى.
لباو يستعيد هذا المفهوم ليقول إن كثيرًا من الحروب الحديثة لا تُفهم باعتبارها صراعات أمنية بحتة، بل باعتبارها سعيًا إلى الاعتراف أو استعادة الكرامة. هنا يقترب من تحليلات ألكسندر كوجيف لهيغل، حيث الاعتراف محرك التاريخ. الدولة التي تشعر بالإهانة أو التهميش قد تلجأ إلى القوة لإعادة تثبيت صورتها الذاتية.
أما الواقعية الجديدة، فتنطلق من تصور مغاير للطبيعة السياسية. السعي إلى القوة ليس بحثًا عن الاعتراف، بل عن البقاء. إنه فعل دفاعي في جوهره، حتى حين يبدو هجوميًا. القوة وسيلة لردع الآخرين، لا لإشباع نزعة رمزية.
لكن هل يمكن الفصل بين الاثنين؟
أليس السعي إلى القوة نفسه تعبيرًا عن ثيموس سياسي؟
حين تسعى دولة إلى الهيمنة الإقليمية، هل تفعل ذلك فقط خوفًا، أم أيضًا طلبًا للمكانة؟
يمكن القول إن الثيموس يفسر لماذا لا تكتفي الدول بالأمن، بل تسعى إلى الهيمنة الرمزية. في هذا المعنى، قد يكون لباو أعمق فلسفيًا من الواقعية، لأنه يعيد إدخال البعد الرمزي في السياسة الدولية. غير أن هذا العمق نفسه يجعل النظرية أقل قابلية للقياس الصارم.
رابعًا: بين البنية والإدراك
الاختلاف الجوهري بين لباو وميرشايمر ليس في الوقائع بل في مستوى التحليل. الواقعية ترى الحرب نتيجة بنية، ولباو يراها نتيجة إدراك مشوّه. غير أن الإدراك ذاته يتشكل ضمن البنية. الخوف الذي يتحدث عنه ثيوسيديدس ليس مجرد شعور فردي، بل انعكاس لبيئة تنافسية.
ربما يمكن صياغة تركيب بين الموقفين:
النظام الدولي يخلق ضغوطًا بنيوية، لكن الاستجابة لهذه الضغوط تمر عبر فاعلين تحركهم دوافع رمزية ونفسية. حين تتوازن البنية مع إدراك متواضع للحدود، يسود الاستقرار. وحين يختل الإدراك، يبرز الثيموس على حساب العقل، فتقع الحرب.
خاتمة: حدود النظرية وإمكان التركيب
لباو يقدم نقدًا قويًا للواقعية والعقلانية، ويذكرنا بأن السياسة ليست حسابًا رياضيًا. لكنه في سعيه لتجاوز البنية يقع أحيانًا في تعميم سيكولوجي. الواقعية الجديدة تقدم إطارًا منظمًا لفهم الضغوط البنيوية، لكنها تتجاهل البعد الرمزي والغرور القومي.
الحقيقة ربما ليست في أحدهما وحده.
الحرب ليست حتمية بنيوية خالصة، ولا انفعالًا ثيموسيًا صرفًا.
إنها نتاج تفاعل بين بنية تولّد الخوف، وثيموس يسعى إلى الاعتراف، وعقل قد يخضع لضغطهما معًا.
إذا أردنا تجاوز هذا الجدل، فقد يكون الطريق ليس في إعلان “لاعقلانية” جديدة، ولا في إعادة تأكيد “توازن القوى”، بل في بناء نظرية تعترف بتعدد دوافع الفاعلين، وتفهم أن السياسة الدولية ليست مسرحًا للعقل وحده، ولا للعاطفة وحدها، بل لسعي إنساني معقّد إلى الأمن والاعتراف معًا.


