حين يتحوّل الحب إلى عبء خفي… لماذا تحتاج الأم وطفلها إلى حدود واضحة؟

الحدود الصحية بين الأم وطفلها لا تعني البرود، بل توازنًا يحمي العلاقة من الاعتمادية والاستنزاف. تحقيق اجتماعي يسلّط الضوء على أهمية وضع إطار عاطفي آمن ينمو فيه الطفل بثقة وتحافظ الأم فيه على ذاتها.

فبراير 12, 2026 - 15:08
 0
حين يتحوّل الحب إلى عبء خفي… لماذا تحتاج الأم وطفلها إلى حدود واضحة؟

في العلاقة بين الأم وطفلها، يتشابك الحنان بالمسؤولية، ويتحوّل القرب أحيانًا إلى التباس يصعب تمييزه. فبدافع الحماية والخوف على الصغير، قد تتسع دائرة الرعاية إلى حدّ يلامس استقلاله، أو يرهق الأم ذاتها دون أن تنتبه. وبين الإفراط في الاحتواء والابتعاد القاسي، تبرز الحاجة إلى ما يُعرف بـ"الحدود الصحية" كعنصر توازن يحفظ دفء العلاقة ويصون نموّ الطرفين.

ما هي الحدود الصحية؟

لا تعني الحدود جفاءً أو برودًا عاطفيًا، بل هي إطار غير مرئي ينظّم العلاقة ويحدد المساحات النفسية والسلوكية لكل طرف. إنها قواعد مرنة تُشعر الطفل بالأمان من دون أن تسلبه حقه في التجربة والاستقلال، وتمكّن الأم من العطاء من موقع وعي لا من موقع استنزاف.

فالحدود الصحية تتيح للطفل أن يكون طفلاً، لا شريكًا في هموم الكبار، وتمنح الأم مساحة لتبقى فردًا له احتياجاته ومشاعره الخاصة.

لماذا تحتاج العلاقة إلى هذا الإطار؟

يشير اختصاصيون في علم النفس الأسري إلى أن غياب الحدود قد يدفع الطفل إلى تحمّل أدوار تفوق سنّه، كأن يشعر بأنه مسؤول عن دعم أمه عاطفيًا أو تخفيف ضغوطها. هذا النوع من "التحميل العاطفي" يخلق لدى الطفل شعورًا مبكرًا بالثقل والقلق، ويشوّه فهمه الطبيعي لدوره داخل الأسرة.

في المقابل، قد تجد الأم نفسها عالقة في دائرة من التعب والذنب، معتقدة أن التضحية الكاملة هي السبيل الوحيد لإثبات حبها. ومع مرور الوقت، يتحوّل العطاء إلى عبء، ويبهت الإحساس بالرضا.

كيف تتجسّد الحدود في الحياة اليومية؟

الحدود الصحية لا تُفرض بشعارات كبيرة، بل تتجلى في تفاصيل بسيطة:

أن تصغي الأم لمشاعر طفلها دون أن تنغمس فيها إلى حدّ فقدان الموضوعية.

أن تمنحه حق الاعتراض أو التعبير عن رأيه، ضمن إطار من الاحترام المتبادل.

أن تعترف بحاجتها إلى وقت خاص أو مساحة شخصية، من دون شعور بالذنب.

كذلك، ليس من الضروري أن يطّلع الطفل على كل تفاصيل قلق والدته أو مشكلاتها. مشاركة الهموم بشكل مفرط قد تربكه أو تجعله يشعر بمسؤولية لا تناسب عمره. كما أن تلبية كل طلب فورًا أو التدخل في كل تجربة يمر بها، قد يحدّ من قدرته على التعلّم من أخطائه وبناء ثقته بنفسه.

توازن يحمي الحب

في جوهرها، لا تُضعف الحدود العلاقة، بل تعزّزها. فهي تحمي الطفل من الاعتمادية المفرطة، وتحمي الأم من الاحتراق العاطفي. وعندما يُربّى الطفل في بيئة تحترم خصوصيته وحدوده، يتعلّم بدوره احترام حدود الآخرين، وينمو وهو أكثر وعيًا بذاته وباحتياجاته.

في النهاية، الحب لا يُقاس بمدى الذوبان في الآخر، بل بقدرتنا على منحه مساحة آمنة ينمو فيها بحرية. والحدود الصحية ليست جدارًا يفصل، بل جسراً ينظم القرب ويمنحه معنى أعمق.