"على هَدْيِ التنزيل": إطلاق الموسوعة التفسيرية للعلامة السيد علي فضل الله
إطلاق موسوعة «على هَدْيِ التنزيل» للعلامة السيد علي فضل الله يقدّم قراءة قرآنية معاصرة تربط النص بالإنسان والواقع، وتعيد تعريف وظيفة التفسير بوصفه مشروعًا تربويًا حيًّا لبناء الوعي والقيم.
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان القرآن الكريم بحاجة إلى تفسير جديد، بقدر ما أصبح السؤال: كيف نقرأ القرآن؟ وبأيّ أفقٍ نربط النصّ بالإنسان؟ فالتراكم التفسيري، على غناه، لا يعفي من إعادة النظر في مناهج القراءة، ولا في وظيفة التفسير ذاتها، حين يتحوّل مِن فِعل حياة إلى مادة معرفة معزولة.
من هذا المنطلق، يأتي إطلاق الموسوعة التفسيرية "على هَدْيِ التنزيل" لسماحة العلّامة السيّد علي فضل الله، في مجلّدَيها الأوّل والثاني الصادرَين عن المركز الإسلامي الثقافي – مجمع الإمامَين الحسنَين (ع) في بيروت، بوصفها مشروعًا قرائيًّا يتجاوز الشرح إلى إعادة بناء العلاقة بين النصّ القرآني والواقع الإنساني. فهي ليست تفسيرًا يُضاف إلى المكتبة بقدر ما هي دعوة إلى إعادة التفكير في وظيفة التفسير نفسه.
تتشكّل هذه الموسوعة من حصيلة ستة عشر عامًا من الدروس التفسيرية المتواصلة، التي لم تُكتب ابتداءً بقصد التدوين، بل نمَت في فضاء حيّ، بين الناس، ومن أسئلتهم اليومية، قبل أن تتجسّد نصًّا مكتوبًا، صاغه عقلٌ متخصّص في اللّغة القرآنية، وصقلته تجربةٌ غنيّة في آفاق الكتابة، حيث يلتقي الفكر بالأسلوب، والمعنى بالبلاغة، وهو الباحث الدكتور محمد خليل طراف الذي عمل على تحويل التجربة الشفوية إلى نصّ منظّم، من دون أن يُفقِدها حرارتها، أو يحوّلها إلى خطاب نخبوي مُغلق.
في هذا العمل، يُقدَّم القرآن كونه نصًّا حيًّا متجدّدًا، لا تنفد دلالاته، ولا تنغلق آفاقه، وهو ما ينعكس في المنهج المعتمد؛ إذ تبدأ القراءة بمدخل عام لكلّ سورة يحدّد سياقها وأفقها الكلّي، ثم تُبحث تسميتها ودلالاتها، قبل الانتقال إلى تحليل الآيات من حيث اللّغة والمعنى والسياق. غير أنّ هذه الخطوات لا تُستثمر في اتجاه أكاديمي صرف، بل تُعاد دائمًا إلى سؤال الإنسان: كيف تُبنى القيم؟ وكيف يُعاد تشكيل الوعي والسلوك؟
وتبرز خصوصية هذا التفسير في تعامله مع المجتمع القرآني بوصفه مجتمعًا واقعيًّا، متعدّد الحالات والوجوه: إيمانًا وكفرًا ونفاقًا. ولا يُقدَّم هذا التعدّد توصيفًا محايدًا، بل مدخلًا تربويًّا لفهم آليات الانحراف والاستقامة، وخطورة الانفصام بين القول والعمل، وما يترتب عليه من آثار فردية وجماعية.
كما تتجلّى القيمة التربوية في معالجة أسباب النزول والأحداث التاريخية؛ إذ لا تُستعاد بوصفها معطيات زمنية منتهية، بل كونها أنماطًا سلوكية تتكرّر بأشكال مختلفة. ويُستحضر الحديث النبوي وأحاديث أهل البيت (ع) في السياق نفسه، لا على سبيل التزيين، بل بوصفها امتدادًا تطبيقيًّا للمعنى القرآني، وجسرًا بين النصّ والحياة.
ولا يغيب البُعد النقدي عن هذا المشروع؛ إذ تُعرض الآراء التفسيرية والفقهية والعقائدية المختلفة بروح علمية منفتحة، تُناقش ولا تُلغى، وتُقوَّم بمعايير عقلية ولغوية وسندية. ويؤدّي المنهج اللّغوي هنا دورًا محوريًّا في فهم الاختلاف الدلالي، ومنع اختزال النصّ في قراءة واحدة جامدة.
إنّ الخيط الناظم لهذا العمل كلّه هو الهمّ التربوي: صناعة الإنسان القادر على حمل القيم في الواقع، لا الاكتفاء بتلقيها نظريًّا. تفسير يخاطب العقل من دون تعقيد، ويلامس القلب من دون عاطفية فارغة، ويوازن بين المعرفة والالتزام، وبين الفهم والممارسة.
وفي سياق إطلاق المجلّدَين، ينظّم المركز الإسلامي الثقافي – مجمع الإمامين الحسنين (ع) ندوة فكرية قرآنية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين، في خطوة تؤكّد أنّ هذا العمل لا يُراد له أن يُقرأ في عزلة، بل أن يكون مادة للنقاش والحوار، ورافعة لثقافة قرآنية حيّة في الفضاء العام.
إنّ موسوعة "على هَدْيِ التنزيل" تقدّم نموذجًا لتفسير لا يعيش في الأبراج العاجية، ولا يكتفي بمخاطبة النخبة، بل ينفتح على الناس بلغتهم وأسئلتهم، ويعيد التفسير إلى وظيفته الأصلية: بناء الوعي، وتربية الإنسان، وربط النصّ بالحياة. وهو ما يجعل هذا العمل إضافة نوعية في مسار التفسير المعاصر، لا بما يقدّمه من معلومات، بل بما يفتحه من أفقٍ جديد للفهم والمسؤولية.


