ديماغوجية التعاون الاقتصادي في منطقة حدودية مفرغة من أهلها
تحليل نقدي لفكرة «المنطقة العازلة» على الحدود اللبنانية بوصفها إعادة إنتاج لمنطق استعماري قديم، يربط بين الطرح الأميركي وتجربة مصنع باقة الغربية، كاشفًا كيف تتحوّل التنمية في ظل اختلال القوة إلى أداة ضبط وتبعية وإلغاء ناعم للسيادة والأرض والإنسان.
كتب باسم الموسوي:
ليست فكرة «المنطقة العازلة» التي طرحها دونالد ترامب في القرى الحدودية اللبنانية مجرّد اقتراح أمني عابر، ولا مبادرة تعاون «براغماتية» كما يُراد تسويقها، بل هي إعادة إنتاج فجّة لمنطق استعماري قديم يرتدي هذه المرة قناع التنمية والتنسيق. خطورة الفكرة لا تكمن فقط في مساسها الصريح بالسيادة اللبنانية وتحويل جزء من الأرض إلى فضاء مُعلّق خارج الدولة، بل في ما تفترضه ضمنيًا: أن المشكلة ليست في العدوان والاحتلال والانتهاكات المستمرة، بل في «غياب إطار اقتصادي–أمني مشترك» يمكن ترميمه عبر مشاريع تعاون. هنا بالضبط تتجلّى عبثية الطرح؛ إذ يُطلب من القرى التي كانت ولا تزال هدفًا للقصف والتهجير أن تتحول إلى مختبر سلام اقتصادي مع الجهة المعتدية نفسها، وكأن العنف يمكن تحييده بآليات سوق، وكأن الصراع يُختزل إلى سوء إدارة حدود لا إلى علاقة قوة غير متكافئة. هذه المنطقة العازلة، لو قامت، لن تكون عازلة للعنف بل عازلة للحق، تفصل السكان عن أرضهم باسم الأمن، وتُعيد هندسة الحدود بوصفها فضاءً للضبط والتبعية لا للعيش. من هنا، لا تبدو الفكرة خطرة فحسب، بل عبثية في منطلقها: فهي تفترض تعاونًا حيث لا يوجد سوى اختلال جذري في ميزان القوة، وتَعِدُ بتنميةٍ لا يمكن أن تكون، كما تُظهر التجارب، إلا شكلًا آخر من أشكال الإلغاء المقنّع.
و يكتسب طرح «المنطقة العازلة» على الحدود اللبنانية خطورته الأعمق حين يُقاس على تجارب سابقة جرى فيها تسويق التعاون الاقتصادي بوصفه مخرجًا من الصراع، فيما كان في الواقع أداة لإدارته والتحكّم بمآلاته. هنا تفرض تجربة مصنع باقة الغربية نفسها بوصفها سابقة كاشفة: مشروع قُدِّم يومها كنموذج شراكة وتنمية واندماج، لكنه انتهى إلى تفكيك ما تبقّى من بنية اقتصادية فلسطينية محلية، وتحويل التنمية إلى آلية ضبط وإخضاع. في باقة، لم تكن المشكلة في المصنع بحد ذاته، بل في الإطار الذي أُقيم فيه: اقتصاد غير متكافئ، سيادة منقوصة، وسلطة عسكرية تمسك بكل شروط العمل والاستمرار. النتيجة كانت معروفة سلفًا: تبعية بدل الشراكة، وإلغاء ناعم بدل تنمية. على هذا القياس، فإن «المنطقة العازلة» المقترحة جنوبًا ليست إلا نقلًا لهذا النموذج إلى السياق اللبناني: مساحة تُنزَع من معناها السيادي، وتُقدَّم كسوق مشتركة أو مجال تعاون، فيما تُدار فعليًا بمنطق أمني–اقتصادي يكرّس الاختلال القائم. كما في باقة، يُطلب من الطرف الأضعف أن يراهن على التنمية تحت سقف القوة المسيطرة، وأن يقبل بالتعاون داخل بنية لا تسمح له إلا بدور التابع. هكذا يصبح الربط واضحًا: ما يُعرض اليوم كحل عملي هو في الحقيقة إعادة إنتاج لتجربة أثبتت أن «التعاون» في ظل علاقات استعمارية لا يقود إلا إلى تعميق التبعية وتجريد الأرض وأهلها من شروط الفعل الحر، لا إلى سلام ولا إلى تنمية حقيقية.
مصنع المستحيل: حين تتحوّل التنمية إلى أداة للإلغاء
لم يكن فشل مصنع باقة الغربية في أواخر خمسينيات القرن الماضي حادثةً صناعية عابرة، ولا نتيجة أخطاء تقنية أو سوء إدارة محلي. لقد كان، في جوهره، تعبيرًا مكثفًا عن منطقٍ أعمق حكم علاقة الدولة الإسرائيلية الوليدة بالفلسطينيين الذين بقوا داخلها بعد عام 1948: منطق التنمية بوصفها شكلًا من أشكال السيطرة، والتحديث باعتباره أداة لإعادة إنتاج التبعية، لا للخروج منها.
في الخطاب الرسمي، قُدِّم المصنع بوصفه أول مشروع صناعي “مشترك” عربي–يهودي، ورمزًا لاندماج الفلسطينيين في الاقتصاد الإسرائيلي الحديث. غير أن هذا الخطاب، الذي بدا في ظاهره تصالحيًا وتقدميًا، كان يخفي بنيةً استعماريةً أكثر تعقيدًا، تعمل لا على تمكين الفلسطيني اقتصاديًا، بل على تفكيك شروط استقلاله الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة إدماجه في موقع الطرف التابع.
التنمية تحت الحكم العسكري
لا يمكن فهم تجربة مصنع باقة الغربية خارج سياق الحكم العسكري الذي فُرض على الفلسطينيين داخل إسرائيل حتى عام 1966. فهذا الحكم لم يكن مجرد نظام أمني مؤقت، بل شكّل إطارًا شاملًا لتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. الأرض، الحركة، العمل، البناء، وحتى المبادرات الاقتصادية الخاصة، جميعها خضعت لإذن عسكري مباشر أو غير مباشر.
ضمن هذا السياق، جاءت مشاريع “التنمية” لتؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة، تهدئة الداخل الفلسطيني بعد صدمة النكبة والمجازر اللاحقة، ومن جهة أخرى، إعادة تشكيل الاقتصاد العربي بحيث يفقد بنيته الزراعية المستقلة، ويُدمَج كملحق في الاقتصاد اليهودي المهيمن. لم يكن الهدف خلق رأسمالية عربية محلية، بل إنتاج قوة عمل منضبطة، فائضة، ومُسيطر عليها.
مصنع بلا سيادة
منذ لحظة ولادته، كان مصنع باقة الغربية فاقدًا لشروط السيادة الاقتصادية. التمويل كان مشروطًا، الإدارة الفعلية كانت بيد شركاء يهود، والبنية التحتية – من طرق وكهرباء ومياه – لم تكن جزءًا من خطة تنموية شاملة، بل حلولًا ترقيعية تُدار من فوق. حتى اختيار الموقع وطبيعة الإنتاج لم ينبع من احتياجات المجتمع المحلي، بل من حسابات الدولة والسوق المركزية.
الأهم من ذلك أن المصنع لم يكن مشروعًا فلسطينيًا مستقلًا دخل في شراكة، بل مشروعًا أُعيد تشكيله منذ البداية ليكون تابعًا: تابعًا للتمويل الحكومي، تابعًا للتصاريح العسكرية، وتابعًا لشبكات التوزيع اليهودية. بهذا المعنى، لم يكن الفشل لاحقًا عرضيًا، بل كان كامنًا في البنية ذاتها.
التبعية كآلية إلغاء
هنا تتقاطع التجربة مع نظرية التبعية في الفكر النقدي. فكما في تجارب “التنمية” في أطراف النظام الرأسمالي العالمي، جرى إدماج الفلسطينيين في اقتصاد لا يملكون السيطرة على مفاصله، ولا على شروط إعادة إنتاجه. لكن خصوصية الحالة الإسرائيلية تكمن في اقتران التبعية الاقتصادية بمنطق استيطاني يعمل على الإلغاء طويل الأمد.
فالإلغاء هنا لا يعني الطرد الفيزيائي فقط، بل تفكيك القدرة على البقاء كجماعة منتِجة مستقلة. حين يُنتزع الفلاح من أرضه، ثم يُدفع إلى العمل المأجور تحت رقابة عسكرية، وحين تُفشل أي محاولة لبناء صناعة محلية مستقلة، فإن النتيجة ليست “تحديثًا”، بل إعادة إنتاج للهشاشة.
مصنع باقة لم يُفشل لأنه لم يكن مربحًا، بل لأنه كان خطرًا محتملًا لو نجح. نجاحه كان يعني نشوء نواة رأسمال فلسطيني، وبنية تشغيل محلية، وشكل من أشكال الاستقلال النسبي. وهذا بالضبط ما لا يسمح به الاقتصاد الاستيطاني، الذي يحتاج إلى الفلسطيني كعامل، لا كشريك.
العمل بوصفه أداة ضبط
داخل المصنع نفسه، انعكست هذه البنية في شروط العمل. الأجور المتدنية، الانضباط القسري، استخدام نظام التصاريح لمنع العمال من البحث عن بدائل، كلها حولت المصنع إلى فضاء ضبط اجتماعي بقدر ما كان موقع إنتاج. العمل لم يكن وسيلة للتمكين، بل أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الفلسطيني والدولة: علاقة خوف، واعتماد، وحرمان من البدائل.
لم يكن العامل الفلسطيني حرًا في التنقل أو التفاوض، بل محكومًا بسلطة مزدوجة: سلطة رب العمل، وسلطة الحاكم العسكري. وهنا، يتجلى البعد السياسي العميق للاقتصاد: السوق لم تكن فضاءً محايدًا، بل امتدادًا للحكم.
من “الشراكة” إلى التصفية
حين بدأ المصنع يواجه أزماته المالية، لم تتدخل الدولة لإنقاذه بوصفه مشروعًا تنمويًا استراتيجيًا. على العكس، تُرك يتخبط في الديون، وتُرك صاحبه الفلسطيني يواجه التصفية والملاحقة القضائية، بينما خرج الشركاء اليهود بأقل الخسائر. هكذا تحوّلت “الشراكة” إلى آلية تحميل المسؤولية للطرف الأضعف، وإعادة تركيز رأس المال في يد المركز.
لم يكن انهيار المصنع نهاية قصة، بل بداية مسار: تصفية المشروع، مصادرة الأصول، وتحويل الأرض والعمال إلى موارد متاحة مجددًا للسوق المهيمنة. وبذلك، أُنجز الهدف دون إعلان: إزالة إمكانية الاقتصاد الفلسطيني المستقل، باسم التنمية ذاتها.
ما بعد باقة: درسٌ مستمر
قصة مصنع باقة الغربية ليست صفحة من الماضي فقط، بل نموذج يتكرر بأشكال مختلفة. كل خطاب عن “دمج اقتصادي” لا يرافقه تفكيك لبنية السيطرة، وكل حديث عن “تحديث” لا يعترف بعلاقات القوة، ينتهي إلى النتيجة ذاتها: تعميق التبعية، وتآكل إمكانات الاستقلال.
التنمية، حين تُدار من فوق، وتُفصل عن العدالة والسيادة، تتحول إلى أداة إلغاء ناعمة. ومصنع باقة، في هذا المعنى، لم يكن مستحيلًا لأنه مشروع فاشل، بل لأنه طُرح داخل نظام لا يسمح أصلًا بإمكان تحققه.
إن استعادة هذه التجربة اليوم ليست تمرينًا تاريخيًا، بل ضرورة فكرية وسياسية. فهي تذكّرنا بأن السؤال ليس: كيف نُنمّي، بل لصالح من، وتحت أي شروط، وضمن أي بنية سلطة. بدون هذا السؤال، تظل التنمية وعدًا مؤجلًا، أو – كما في باقة – مصنعًا للمستحيل.


