حين تصبح العزلة فعلاً إنسانيًا واعيًا

فبراير 3, 2026 - 16:47
 0
حين تصبح العزلة فعلاً إنسانيًا واعيًا

 كتب د اسامة توفيق مشيمش:

 يخالف المفكر علي عزت بيجوفيتش، في قوله إن “الإنسان ليس حيوانًا اجتماعيًا”، مقولةً طالما قُدّمت كحقيقة بديهية لا تقبل النقاش. فهو لا ينفي حاجة الإنسان إلى المجتمع، بقدر ما يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسانية والاختلاط، بين العمق الإنساني وضجيج الجماعة. وفي عالمنا المعاصر، حيث يُقاس الحضور الإنساني بعدد العلاقات والمتابعين وساعات الاختلاط، يبدو هذا القول صادمًا، لكنه أكثر التصاقًا بالواقع مما نحب الاعتراف به.


لقد تحوّل الاختلاط في كثير من الأحيان من فعل تواصل إلى سلوك هروبي. لم يعد الناس يلتقون بدافع الحب أو الرغبة في الفهم المتبادل، بل خوفًا من مواجهة الذات، من الصمت، من الأسئلة المؤجلة. فالوحدة لم تعد حالة خارجية، بل صارت مواجهة داخلية، والإنسان المعاصر يفضّل ضجيج الآخرين على هدوء نفسه. من هنا، فإن كثرة الاختلاط ليست بالضرورة علامة صحة اجتماعية، بل قد تكون مؤشر فراغ روحي وعاطفي.


الإنسان كلما ارتقى في وعيه، ازداد حساسيّة تجاه التفاهة والسطحية. وهذا ما يجعل الفردية، بل وحتى العزلة، خيارًا واعيًا لا اضطرارًا قسريًا. فالعزلة عند الإنسان الواعي ليست قطيعة مع المجتمع، بل استراحة فكرية وأخلاقية من تكلّسات الجماعة. إنها لحظة استعادة للذات من سطوة القوالب الجاهزة والآراء المعلّبة. ولذلك، فإن كبار المفكرين والمصلحين والفنانين عرفوا العزلة طريقًا للخلق لا للهروب.


في مجتمعاتنا العربية، حيث تختلط القيم الاجتماعية بالتقاليد الضاغطة، يُنظر إلى الفردية بعين الشك، وإلى العزلة كمرض أو انحراف. غير أن الواقع يكشف عكس ذلك: كثير من أشكال “الاجتماعية” السائدة ليست إلا إعادة إنتاج للرتابة، ومشاركة قسرية في طقوس خاوية من المعنى. فالجلوس الطويل في المجالس، وكثرة الكلام دون مضمون، والاندماج الشكلي في الجماعة، لا تصنع إنسانًا اجتماعيًا بقدر ما تُذيب الفرد في القطيع.


بيجوفيتش، وهو الذي خبر السجن والعزلة القسرية، لم يكن ينظّر من برج عاجي، بل من تجربة وجودية عميقة. لقد أدرك أن الحرية تبدأ من الداخل، وأن الإنسان لا يكتشف إنسانيته الحقة إلا حين يجرؤ على الوقوف وحيدًا أمام ضميره. فالإنسان الذي لا يحتمل وحدته، لن يحتمل الآخر المختلف، وسيبحث دائمًا عن الجماعة لا ليحبها، بل ليختبئ فيها.


إن أخطر ما في عصرنا ليس تفكك العلاقات، بل زيفها. وليس العزلة، بل الفراغ الذي يُغطّى بالاختلاط المفرط. من هنا، فإن إعادة الاعتبار للعزلة الواعية، وللفردية المسؤولة، ليست دعوة للأنانية، بل شرطًا لبناء إنسان قادر على علاقة حقيقية، لا علاقة استهلاكية.


في النهاية، ليس كل اجتماع فضيلة، ولا كل عزلة رذيلة. فالإنسان، حين يكتمل وعيه، يعرف متى يكون مع الآخرين، ومتى يعود إلى نفسه. وهناك فقط، تبدأ الحرية.