خطاب قاسم التصعيدي: حسابات إقليمية تتجاهل الواقع اللبناني!

تحليل سياسي معمّق لتصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم حول الحرب على إيران، وانعكاساتها المحتملة على لبنان، في ظل الانقسام الداخلي، الإشكال الدستوري لقرار الحرب والسلم، ومخاطر إقحام بلد منهك في مواجهة إقليمية مفتوحة.

يناير 31, 2026 - 07:38
 0
خطاب قاسم التصعيدي: حسابات إقليمية تتجاهل الواقع اللبناني!

 كتب زياد سامي عيتاني في "اللواء":

 في لقاء جماهيري تضامني مع إيران عُقد يوم 26 الشهر الجاري، أطلق الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم تصريحات لافتة، معتبراً أن «التهديد الأميركي الموجه لإيران يمثل تهديداً مباشراً لحزب الله وللمقاومة الإسلامية»، محذّراً من أن «الحرب على إيران قد تشعل المنطقة بأكملها، نظراً لحجم الاستهداف وخطورته».

جدّد قاسم التزام حزبه «بالوقوف إلى جانب إيران وشعبها وقيادتها»، مؤكداً أن «الاستسلام للمشاريع المعادية يعني خسارة كل شيء». كما شدّد على أن حزب الله «يتحمّل مسؤوليته الكاملة في الدفاع عن لبنان وكرامته وأرضه»، واصفاً المقاومة بأنها «صمام أمان» أعاد للبنان استقلاله الحقيقي.
هذه التصريحات، رغم اتساقها مع الخطاب التاريخي للحزب، تطرح تساؤلات استراتيجية جوهرية حول التوازن بين الالتزامات الإقليمية والواقع اللبناني الراهن، وحول من يملك صلاحية اتخاذ قرارات مصيرية قد تضع البلد بأكمله أمام خيارات خطيرة.

• التوقيت والسياق: لبنان في لحظة استثنائية

تأتي تصريحات قاسم في لحظة بالغة الحساسية للبنان، حيث أن الحرب الأخيرة تركت آثاراً عميقة لم يتعافَ منها المجتمع اللبناني بعد. أحياء بأكملها في الضاحية الجنوبية والجنوب دُمّرت، عائلات شُرّدت، وآلاف العائلات لا تزال تنتظر إعادة الإعمار. في هذا السياق، يطرح الحديث عن احتمال انخراط لبنان في مواجهة إقليمية جديدة تساؤلات حول مدى استيعاب هذا الواقع في الحسابات الاستراتيجية.

• إشكالية التوازن بين الالتزام الإقليمي والمصلحة الوطنية

لا شك أن حزب الله يرى في علاقته بإيران تحالفاً استراتيجياً راسخاً، قدمت طهران من خلاله دعماً كبيراً للحزب على مدى عقود. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن الموازنة بين هذا الالتزام الإقليمي وبين الواقع اللبناني الداخلي؟

تصريحات قاسم تشير بوضوح إلى أن أي مواجهة أميركية - إيرانية لن تبقى محصورة في الأراضي الإيرانية، وأن لبنان قد يجد نفسه طرفاً فيها. هذا الاحتمال يثير قلقاً مشروعاً لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، بمن فيهم قطاعات من البيئة الحاضنة للحزب نفسها، التي تتساءل عن الثمن الذي قد يُطلب منها دفعه مجدّداً.
المعادلة الاستراتيجية تبدو غير متوازنة. في أي مواجهة إقليمية، لبنان، بحكم صغر حجمه وهشاشة بنيته التحتية وضعف اقتصاده، سيكون الطرف الأكثر تضرراً. إسرائيل أوضحت في مناسبات عدة أن ردها على أي عملية من الأراضي اللبنانية سيكون شاملاً، ولن يميّز بين فصيل محدّد ولبنان ككل. هذا يعني عملياً أن الشعب اللبناني بأكمله سيتحمل تبعات قرارات لم يُستشَر فيها.

• من يملك حق إقحام لبنان في الحروب؟

من الناحية الدستورية والقانونية، قرار الحرب والسلم من صلاحيات الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، لا من صلاحيات أي طرف آخر. المادة 65 من الدستور اللبناني تنص بوضوح على أن مجلس الوزراء هو الذي يضع السياسة العامة للدولة ويعلن الحرب والسلم بموافقة مجلس النواب.
الوضع الحالي يخلق فجوة واضحة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية. عندما يصرح أمين عام حزب سياسي - عسكري بأن «الحرب على إيران ستشعل المنطقة»، فهو فعلياً يعلن استعداده لإقحام لبنان في مواجهة من دون المرور بالآليات الدستورية المتعارف عليها.
هذا يطرح إشكالية السيادة الوطنية. اللبنانيون، سواء أكانوا مؤيدين للحزب أم معارضين له، لم يُستشاروا في هذا القرار. لم يُسألوا عبر ممثليهم في البرلمان إن كانوا مستعدين لتحمّل كلفة الانخراط في صراع إقليمي. لم يُمنحوا خيار النقاش العام حول البدائل الممكنة. الديمقراطية، التي تقوم على مشاركة الشعب في القرارات المصيرية، تبدو غائبة في هذا الملف.

يصرُّ قاسم على وصف المقاومة بأنها «صمام أمان» للبنان، لكن قراءة موضوعية للتاريخ الحديث تطرح تساؤلات حول هذا التوصيف. الحروب التي خاضها حزب الله، من حرب تموز 2006 إلى المواجهات المتكررة على الحدود، وصولاً إلى الحرب الأخيرة، كان لها كلفة باهظة على لبنان ككل.
السؤال المشروع: هل يمكن اعتبار هذه النتائج «أماناً» بالمعنى الحقيقي للكلمة؟
من المفارقات أن مفهوم «الأمان» يفترض الاستقرار، والقدرة على العيش بسلام، وبناء مستقبل اقتصادي واجتماعي. لكن الواقع اللبناني على مدى العقدين الماضيين يشير إلى أن حالة التأهب الدائم، واحتمال اندلاع مواجهة في أي لحظة، خلقت بيئة من عدم الاستقرار المزمن، أثرت سلباً على الاستثمار، والسياحة، وهجرة الشباب، وثقة المجتمع الدولي بلبنان.

• منطق الكل أو اللاشيء!

في تصريحاته، استخدم قاسم عبارة «الاستسلام للمشاريع المعادية يعني خسارة كل شيء»، وهو منطق ثنائي لا يرى سوى خيارين: إما المواجهة الشاملة، أو الخضوع الكامل. هذا المنطق، رغم قوته الخطابية، يستبعد وجود مساحة واسعة من الخيارات الوسطى التي قد تحمي المصالح اللبنانية دون الذهاب إلى حروب مدمرة.
السياسة، في جوهرها، هي فن الممكن، وفن إيجاد حلول وسط. الدول الصغيرة، تاريخياً، نجحت عندما اعتمدت الحكمة والدبلوماسية، لا عندما انخرطت في مواجهات عسكرية تفوق قدراتها. لبنان، بحكم تنوّعه الاجتماعي والديني والسياسي، وبحكم ضعفه الاقتصادي الحالي، يحتاج إلى نموذج يقوم على الحياد الإيجابي، والدبلوماسية النشطة، وبناء دولة قوية قادرة على احتكار السلاح والقرار السيادي. هذا لا يعني الاستسلام، بل يعني حماية المصلحة الوطنية بطريقة أكثر حكمة.

لا أحد ينكر أهمية التحالفات الاستراتيجية في السياسة الخارجية لأي دولة. لكن التحالفات السليمة تُبنى على التوازن في المصالح والتضحيات، لا على استنزاف طرف لصالح آخر.
لبنان قدّم عبر العقود الماضية ثمناً باهظاً لتحالفاته الإقليمية: حروب متكررة، آلاف الشهداء، دمار واسع، نزوح جماعي، فواتير إعادة إعمار بمليارات الدولارات. السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي حصل عليه لبنان مقابل كل هذه التضحيات؟
إيران، باعتبارها دولة إقليمية كبرى، تملك من الموارد والقدرات ما يسمح لها بالدفاع عن نفسها. لماذا يجب أن يتحمّل لبنان، البلد الصغير المنهك، كلفة الدفاع عن إيران؟ هذا السؤال ليس تشكيكاً في شرعية التحالفات، بل هو تساؤل مشروع حول عدالة توزيع الأعباء.

• الانقسام الداخلي: خطر حقيقي

أحد أخطر جوانب خطاب قاسم هو تأثيره المحتمل على التماسك الاجتماعي اللبناني. المجتمع اللبناني منقسم بشكل حادّ حول دور حزب الله، وحول استراتيجيته العسكرية والسياسية. خطاب يربط مصير لبنان بشكل مباشر بأي مواجهة إقليمية يزيد من حدّة هذا الانقسام.
حتى داخل البيئة الحاضنة للحزب، بدأت تُطرح أسئلة صعبة حول جدوى الحروب المتكررة. الضاحية الجنوبية، التي دفعت ثمناً باهظاً في كل مواجهة، والجنوب اللبناني، الذي عاش عقوداً من التوتر والحروب، يطرح أبناؤه تساؤلات مشروعة حول المستقبل. إلى متى ستستمر هذه الدورة؟ ومتى سيأتي وقت البناء والاستقرار؟

• إسرائيل: معادلة ردع جديدة

التهديدات الإسرائيلية واضحة ومباشرة. المسؤولون الإسرائيليون صرحوا مراراً بأن أي عملية من الأراضي اللبنانية ستقابَل بردّ شامل ومدمر، يستهدف لبنان ككل، لا فصيلاً محدّداً. هذا يعني عملياً أن معادلة الردع تغيّرت، وأن إسرائيل لم تعد تميّز بين الدولة اللبنانية والفصائل المسلحة فيها. هذا الواقع يفرض على صانعي القرار في لبنان، أياً كانوا، مسؤولية استثنائية. أي قرار بالانخراط في مواجهة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن الشعب اللبناني بأكمله سيدفع الثمن. هذا ليس تخويفاً، بل قراءة واقعية للمعطيات والتصريحات الإسرائيلية المتكررة. لبنان، في وضعه الحالي، لا يحتمل مغامرات عسكرية جديدة.
المطلوب اليوم ليس خطابات تصعيدية، بل حوار وطني جادّ وشامل حول الاستراتيجية الدفاعية للبنان، حول من يملك صلاحية اتخاذ قرارات الحرب والسلم، وحول كيفية حماية المصلحة اللبنانية في بيئة إقليمية ودولية معقدة. هذا الحوار لا يمكن أن يُفرض من طرف واحد، بل يجب أن يشمل جميع مكونات المجتمع اللبناني، ويمرّ عبر المؤسسات الدستورية الشرعية.