طاولة التفاوض ومحاذير الكرسي المترنّح
كتب عماد مرمل في "الجمهورية":
من الواضح أنّ المسرح ليس مهيّئاً بعد للتفاوض المباشر بين لبنان الرسمي والكيان الإسرائيلي، فلا الاحتلال مستعد حتى الآن لسلوك هذا المسار، ولا جميع المكوّنات اللبنانية متفاهمة عليه.
بينما يختلف اللبنانيّون حول مبدأ التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، توقيته السياسي، جدول الأعمال المقبول مناقشته، وتركيبة الوفد اللبناني المفترض... تستمر تل أبيب في التعاطي بمزاجية وفوقية مع مسألة المفاوضات المدنية، على رغم من أنّها كانت مطلبها في السابق، من دون أن تُبدي أي تجاوب واضح مع مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون في هذا السياق.
ويبدو واضحاً، أنّ الكيان الإسرائيلي يريد أن يذهب إلى أي مفاوضات محتملة مع لبنان على توقيت ساعته تحديداً، وبالتالي هو يعتبر أنّ اللحظة المؤاتية لم تحِن بعد للجلوس إلى الطاولة. أمّا ظروف اكتمال هذه اللحظة فترتبط، وفق الحسابات الإسرائيلية، بواحد من أمرَين أو بكليهما معاً:
- الأول، أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لنزع سلاح «حزب الله»، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، حين صرّح بأنّ تل أبيب لا تعتزم إجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة اللبنانية في الأيام المقبلة، مشدِّداً على «ضرورة أن تتخذ بيروت خطوات عملية وجدّية لمنع «حزب الله» من إطلاق النار على إسرائيل».
- الثاني، أن يحقق جيش الاحتلال إنجازات نوعية على الجبهة اللبنانية تسمح للقيادة السياسية بصرفها خلال التفاوض، إذ إنّ بنيامين نتنياهو يعوّل على احتلال مزيد من الأراضي اللبنانية عبر الاجتياج البرّي، لفرض إرادته بالكامل على الدولة اللبنانية والإتيان بها لاحقاً إلى المفاوضات ضعيفة وجاهزة للقبول بالشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.
وإلى أن يتحقق هذان الهدفان، أو أحدهما على الأقل، لا تستعجل القيادة الإسرائيلية البدء بالتفاوض المباشر، مفضّلةً أن ينضج أولاً على نار حامية، يؤجِّجها الضغط العسكري في اتجاهات عدة وأثر التهجير الجماعي لأعداد كبيرة من المواطنين.
أمّا في لبنان، فيواجه خيار التفاوض تحدّيات كثيرة، أولها أنّ السلطة المتحمِّسة لهذا الخيار لا تمون على الأرض وعلى الجهة التي تقاتل، في حين أنّ «حزب الله»، المُمسِك بزمام الميدان، يرفض مبدأ التفاوض السياسي المباشر، ويطالب بالعودة إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية على قاعدة إلزام الكيان الإسرائيلي بتنفيذه.
وحتى على المستوى الرسمي نفسه، يتشظى الموقف بين الاتجاه الداعم للمفاوضات الفورية ويمثله رئيسا الجمهورية والحكومة، وبين الخط المعارض لأي بحث في التفاوض قبل وقف إطلاق النار وعودة النازحين، ويمثله رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي يرفض تسمية شيعي في الوفد المقترح، ويدعو إلى إعادة الإعتبار لاتفاق وقف الأعمال العدائية وآلية «الميكانيزم».
وبينما يعتبر أنصار التفاوض المدني المباشر أنّ الوضع لا يتحمّل المكابرة في رفضه، وأنّه بات يُشكّل الممر الإلزامي لإنهاء الحرب وتخفيف فاتورتها قبل أن تحرق الأخضر واليابس، وأنّ اعتماده طوعاً الآن يبقى أقل كلفة من أن يصبح مفروضاً بعد حين، وأنّ التجارب تُظهر أنّ أي مواجهة عسكرية لا تنتهي إلّا بجلوس الأعداء حول طاولة واحدة، يلفت معارضو المفاوضات في المقابل إلى أنّها تنطوي على محاذير عدة منها:
- إنّها ستتمّ تحت النار، وهذا من شأنه أن يُضعِف الموقف اللبناني ويمنح العدو الإسرائيلي القدرة على فرض شروطه وإملاءاته.
- إنّ الدولة ستذهب إليها وهي مجرَّدة من ورقة القوّة، بعدما أعلنت سلفاً عن قرارها سحب سلاح «حزب الله» واعتبار أنشطته العسكربة والأمنية خارجة عن القانون، الأمر الذي سيُسهِّل على العدو انتزاع التنازلات منها، بينما كان بإمكانها استخدام هذه الورقة لتحسين موقعها وتحصينه، بدل أن تلجأ إلى التفريط بها مجاناً ومن دون أن تحصل على أي مردود في مقابل التخلّي المسبق عنها.
- إنّ الإصرار على خوض المفاوضات في ظل معارضة مكوّن أساسي لها يُهدِّد بتصدير المشكلة الأصلية مع الاحتلال إلى الداخل اللبناني، ما يُشكّل خدمةً للكيان الإسرائيلي وعبئاً على المفاوض اللبناني الذي سيجد نفسه جالساً على كرسي مترنّح تحت تأثير الإنقسام الداخلي.
- إنّ الكلمة لا تزال في الميدان، ومن الأفضل انتظار مآلاته قبل الاستعجال في التفاوض.


