رشيد الضعيف "يستحضر" الجن!

يناير 26, 2026 - 22:17
يناير 26, 2026 - 22:31
 0
رشيد الضعيف "يستحضر" الجن!

 كتب : غسان مراد

من يقرأ رواية "ندم إبليس"، يتبيّن له أن الكاتب يعرف لغة الجنّيات. ويبدو أن رشيد الضعيف لا يكتب بلغة الإنس فقط، بل بلغة الجن!

"يولد رَماعيل واسمُه مكتوبٌ على جبينه... بحرف لا تقرؤه إلّا أمّه. لكنّ الجنّ كانوا يترصّدون الولادة منذ لحظتها الأولى".

من يقرأ رواية "ندم إبليس"، يتبيّن له أن الكاتب يعرف لغة الجنّيات. ففي رواية من 185 صفحة، عن دار الساقي، يبدو أن رشيد الضعيف لا يكتب بلغة الإنس فقط، بل بلغة الجن!

لغة لا تُدرس ولا تُفكَّك إلا في الظلام. لغة لا تُقال كما تُقال اللغات، بل تأتينا بالهمس، لغة غير مرئية تعيش في الهواء، ليست تصريحًا بل تلميحًا... لغة يراوغ فيها الجن أبناء عمّه. "ندم إبليس" تُعتبر مجموعة من المشهديات المترابطة، تتشكّل فيها الحكايات من الداخل من خلال حوارات مع كائنات تعيش معنا ولكننا لا نراها، تقيم في اللامكان وفي كل مكان.

انطلاقاً من هذه المشهدية، فإن معالجة رواية "ندم إبليس" لرشيد الضعيف لا تتناسب مع المنهج البنيوي الذي يفترض ثبات البنية وتماسكها، بل تنسجم أكثر مع المنهج التفكيكي الذي يُعنى بتفكيك المعنى، وزعزعة الثوابت، وكشف التناقضات الكامنة في النص.

الرواية لا تُقدّم سرداً خطياً أو بنية مغلقة، بل تُمارس تفكيكاً مستمراً للهوية من خلال شخصية "رَماعيل"، الذي يُمحى جسده ويُستبدل بقرين جنّي، وتُصبح اللغة نفسها كائنًا مراوغًا، لا يُفصح بل يُخفي، لا يُعرِّف بل يُضلِّل.

الاسم، الذي يُفترض أن يكون علامة للهوية، يتحوّل إلى شيفرة لا تُقرأ إلا من طرف الأم، مما يُعيد إنتاج المعنى كأثر لا يُثبت الذات بل يُشتتها. الرواية تُفكِّك العلاقة بين الأصل والنسخة، بين الإنسان والجن، بين اللغة والمعنى، وتُعيد تشكيل الحكاية من الداخل، عبر أصوات لا تُرى، بل تُهمس، وتُراوغ، وتُقمَّص.

بهذا المعنى، فإن "ندم إبليس" ليست رواية تُقرأ بمنهج بنيوي يبحث عن مركز ثابت، بل بمنهج تفكيكي يُعيد النظر في كل ما نعتقد أنه ثابت المعنى، كالاسم واللغة والهوية، وحتى الزمن.

حوار الجن مع الإنس ليس من خلال شخصيات، بل من خلال أصوات تتسلّل إلينا، إلى أسمائنا، إلى رغباتنا. واللغة في الرواية لم تعد لغة سرد منطوق، إنما هي عبارة عن كائنات سردية تتقمّص، تختبئ، وتعبر من الفتحات ومن خُرْم الباب لتعيد إنتاج المعنى كما لو كانت جنيًّا يتلبّس النص. وهذا ما يدفعنا للسؤال: هل "ندم إبليس" رواية أم تعويذة لغوية، دوّنت بكلمات لا يكتبها ولا يقرأها إلا من عرف لغة الجن؟ من أول الرواية يظهر لنا الطابع التاريخي الديني الأسطوري للأسس الفكرية، من خلال اختيار الكاتب للطفل اسم "رَمَعْمائيل". اسم منحوت، له، صوتيًا، بعض الارتباطات الملائكية والروحانية، ويُفسَّر أحيانًا على أنه اسم "ثيوفوري" (Theophoric) من "Theo" تعني "الله" و"Phoros" تعني "يحوي"، وهو يأتي من اليونانية على وزن إسماعيل ورفائيل... أي أنه يحتوي على العنصر الإلهي "إيل" (الله)، ويرتبط بشخصيات ملائكية ومواضيع روحانية مثل الرؤية الإلهية، النبوءة، والقوة الغامضة.

هذا الاسم يصبح قناعاً، وهويته تصبح أثراً. فالطفل الذي وُلد لا يُعرف بذاته بل باسمه المكتوب بحروف لا يعرف قراءتها إلا الأم. اسمٌ لا يُثبت هوية الطفل، بل يحوّله إلى قرين لغوي قابل للتقمّص. فحين يغيب الطفل ويحلّ محله الجن، لا يعود الجسد ضمانًا للذات، بل يصبح مرآةً وقبلةً للاختراق.

الرواية تُفكّك فكرة أن الاسم يُبيّن لنا الهوية، وتُظهر أن التسمية لغويًا تُحجب أحيانًا أكثر مما تُفصح. فالهوية ليست ثابتة ولا يمكن اختزالها في اسم واحد، ثم أن اللغة قد تكون أداة للهيمنة أو الإخفاء، وليست دائمًا وسيلة للتعبير الصادق، وهناك فرق بين الاسم كعلامة وبين الذات ككيان معقد. وفي هذا السياق، يُصبح رَماعيل تجسيدًا لفشل إبليس في تنظيم الشر، ولانهيار الحدود بين الإنس والجن، بين الأصل والنسخة.

منذ البداية أيضاً، نستشعر ربط الرواية بالديانات، فالقرين يعتبر مرافقًا للإنسان، وقد يكون من الجن أو من الشياطين حسب السياق. وكما يُعتقد، فلكل إنسان قرين يوسوس له، وفي الوقت نفسه، من الممكن أن يكون للإنسان قرينٌ من الملائكة يكتب أعماله أو يرشده للخير. وهذا ما يُعبّر عنه في الرواية من خلال جن "الاقاشي".

مركزية الرواية وأبعادها تبدأ بالسنّ الذي سقط من فم الطفل، والسنّ هو رمز للهوية وللنمو، وربما للعدوانية المكبوتة. زرع السنّ في فم الأم هو عبارة عن تملّك رمزي، أو حتى رغبة لاواعية في السيطرة على الأم، وهي من جوهر عقدة أوديب التي تتعلق بالصراع النفسي بين الطفل والأب، ورغبة الطفل في التقرّب من الأم بشكل يتجاوز الحدود الطبيعية.

في وعينا، الجن كان وما زال قوة سردية تأتينا من الغيب إلى اللاوعي. في "ندم إبليس" كما في حكاياتنا، الجنيات رموز للرغبة، للغريزة، ولِما لا يُقال. فحين يتقمّص الجن جسد رَماعيل، ويغرس ما يشتهي في قلب أخته سُليمى، يصبح الجن صوتاً داخلياً متسللًا. وهذا يطرح السؤال الدائم عن العلاقة بين الإنسان والمجهول، فالجن يسكنون بيننا، ولا يأتون من الخارج.

لم يكن من المستطاع قراءة الرواية دون ربطها بما يحصل من تحولات رقمية، وخاصة في الذكاء الاصطناعي. فهل لبس الجن ثوبًا جديدًا؟ في زمن التخفي ومعرفة كل ما يحصل للأفراد، يمكن قراءة "ندم إبليس" كنص يُعيد إنتاج "الجن الرقمي" الذي يعرف كل شيء عن مكنونات الإنس. فالجن الذي يُرسل لمرافقة الإنسان ثم يتمرّد عليه يُشبه تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي صُمّمت لخدمة البشر لكنها بدأت بإعادة تشكيل الواقع، واللغة، والهوية. حتى في طرح اسم "رَماعيل"، فهو شيفرة لا تُقرأ إلا من طرف الأم، تُشبه كلمات المرور أو البصمات الرقمية. أما التقمّص الجنّي فهو عبارة عن انتحال رقمي يحصل في العالم، من هو الذي يكتب؟ من هو الذي يُنتج؟ من هو الذي يُفكّر؟ هل ما نراه واقعي أم هو يُزرع فينا؟ ما يقوم به الجنّي الرائي الذي يغرس الرغبة في قلب أخت رَماعيل يُشبه الخوارزمية التي تُوجّه رغباتنا دون أن نعي. وفي هذا السياق، يُصبح الذكاء الاصطناعي هو الجنّ الحالي دون أن يُطلق عليه هذا الاسم. فنحن في زمن التهجين الرقمي، والكائنات غير المرئية، التي تعرف كل شيء عن الأنا، وتتسلّل إلى ذاته، وتُعيد تشكيل وعيه وهويته. من هذا المنطلق، الإشارة الوحيدة غير المُعلنة التي تتعلق بالذكاء الاصطناعي تظهر في الصفحة 81، عندما تطلب لُبنى من رَماعيل أن يُسمّيها، فتقول له: "سمّني ما تريد... سمّني علامة، سمّني رقمًا أو ما يُشبه الرقم".

الرواية في وعي الكاتب أو في لاوعيه، فيها حكايات جدّاتنا عن الجن، وتاريخنا عن إبليس وندمه لطرد آدم من الجنة، ولكنها تُظهر لنا أن ما نعيشه من اختراقات لخصوصياتنا الرقمية، وتقمّصنا لشخصيات (أفاتار)، والتزييف العميق، وتقبّلنا لهذا النوع من التفكير، له جذور سردية عميقة. فالجن كان وما زال بنية رمزية تُعيد إنتاج نفسها في كل عصر بثوب جديد.

في الرواية دور محوري للبخور الذي يعتبر الوسيلة التي تطرد الجن، وهذا ما يتماشى مع الموروث الشعبي في الثقافة العربية، الذين يعتبرون أن الروائح الطيبة تُزعج الجن وتُبعدهم، خصوصًا الجن المؤذي أو الكافر. في المقابل، تُستخدم أنواع أخرى من البخور في طقوس الاستحضار، مما يجعل البخور أداة مزدوجة الوظيفة.

في السياق الروائي، يمثل البخور لحظة استعادة السيطرة، وتطهير البيت من التلبّس، وكأن الكاتب يعلن نهاية التسلّل وبداية الوضوح، حيث تُستعاد الهوية ويُطرد الظلّ ("لأتركنك ترك الظبي ظله"). رغم سعادة الإنس، النهاية لا تُغلق، فكل اشتعال للبخور يكتب أثرًا في لعبة التأجيل، ومع انطفائه يعود الغياب في شكل آخر، حيث الجن يظل اختلافًا بلا حسم، في فضاء لا يقبل اكتمال المعنى.