ترامب يُفاجئ العالم «بالأمركة» والمعجزات
تحليل سياسي معمّق لشخصية وسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلاقته بالدولة العميقة في الولايات المتحدة، وتأثير نهجه التصادمي على النظام الدولي وأوروبا وروسيا والصين والشرق الأوسط، وحدود مشروع «أمركة العالم».
كتب عبد الهادي محفوظ:
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يختلف عن كل الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه. لا أحد منهم يشبهه، لا في الشكل ولا في التصرف ولا في السلوك... لا في الضحك ولا في الوجوم.
سيد البيت الأبيض يسخر من الرئيس السابق جو بايدن الذي سبقه، ويتهكّم على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولا يعطي أي اعتبار لرئيس وزراء كندا مارك كارني، ويلوّح باستخدام فائض القوة الأميركية في كل مكان ، بتجاوز مفضوح للقوانين الدولية والأمم المتحدة وحقوق الإنسان.
ومع ذلك يعرف ما يريد، لا ما يريده الآخرون ولو كانوا من شركائه. فهو لا يريد شراكة أحد لا في السلطة ولا في النفط ولا في الغاز ولا في الدولار ولا في الشركات الأميركية المتعددة الجنسية. يريد أن يكون سيد العالم من دون منازع، وعلى رأس الإمبراطورية الأميركية المهيمنة على كل القارات والدول.
والسؤال المحيّر: هل سياسة ترامب هي شخصية؟ أم أنه يعبّر عما تضمره الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية ومؤسساتها ولوبياتها وأجهزتها الإستخبارية؟ الجواب صعب. قد يكون هناك تقاطع بين رؤيته الشخصية وبين الدولة العميقة. إنما «التمايز» واسع أيضا. فالدولة العميقة الأميركية ترتكز إلى سياسات بعيدة، وفق خطط مدروسة ومخطط لها لسنوات لاحقة. وهذا أمر لا يلتقي ومزاجية الرئيس ترامب وغموضه ولا ردود أفعاله. وهذا يعني أن هناك «تعارضات» مع سياساته ، يعبّر عنها الداخل الأميركي وبعض الولايات فيه كما الحزب «الديموقراطي»، وهي محل نقاش أكيد في المؤسسات الأمنية، كما في اللوبي الصناعي والمالي والحربي. إضافة إلى تساؤلات مشروعة من شركائه في الحزب «الجمهوري».
الرئيس ترامب شخص محيّر حتى لمستشاريه ومَن هم معه في المكتب البيضاوي، رغم أنه مثير لإعجاب الكثيرين الذين يعتقدون «بمعجزاته». لكن هذا ما لا يستسيغه عادة الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية الأنجلوسكسون، الذين يمتازون بالتفكير البارد والبعيد.
ترامب شخص يحيّر أوروبا الغربية والشرقية وروسيا والصين، كما يحيّر ايران، لأنه قد يذهب إلى حرب معها تجلب الفوضى إلى المنطقة، وتشعل التوترات في العالم.
حتى نتنياهو المتسرّع يبدو أكثر عقلانية منه، ذلك أنه لا يتجاوز حسابات «اسرائيل» العميقة، ويخشى أن تكون ساحة الحرب الحقيقية.
«أمركة العالم» هي فلسفة الرئيس ترامب. وهذه الفلسفة تحتاج إلى «معجزات»، أبعد من التفكير العادي والعقلاني والحسابات. ويبقى السؤال حول حدود التناغم بينه وبين الدولة العميقة.


