العلاقات السامّة: حين يتحوّل القرب الإنساني إلى تهديدٍ نفسي صامت !
تسلّط هذه المادة الضوء على مفهوم العلاقات السامّة وتأثيرها العميق على الصحة النفسية والسلوك الإنساني، موضحةً كيف تتحوّل بعض الروابط العاطفية أو العائلية أو المهنية إلى مصدر ضغط واستنزاف بدل أن تكون مساحة أمان ودعم. يناقش التحقيق أبرز سمات هذه العلاقات، كالتقليل من الشأن والسيطرة وتوليد الشعور بالذنب، ويستعرض رأي اختصاصيين حول الفارق بين العلاقات الصحية والمؤذية. كما يبيّن العلامات التحذيرية التي تكشف الوقوع في علاقة سامة، ويؤكد أهمية الوعي ووضع الحدود النفسية كخطوة أساسية لحماية الذات واستعادة التوازن الداخلي.
الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، يبني حياته على شبكة من العلاقات في العمل والعاطفة والصداقة والعائلة. غير أن هذه العلاقات، التي يُفترض أن تكون مصدر دعم وأمان، قد تتحوّل في بعض الأحيان إلى عبء نفسي واستنزاف عاطفي، فيما يُعرف اليوم بـ العلاقات السامة.
عندما يصبح القرب مؤذيًا
يرى تربويون أن العلاقات السامة لا تُبنى دفعة واحدة، بل تتسلّل تدريجيًا إلى حياة الفرد، عبر الانتقادات المستمرة، والتجاهل، والتقليل من الشأن، أو التدخل غير اللائق في الخصوصيات. وفي حالات أكثر حدّة، قد تتخذ هذه العلاقات طابعًا نفسيًا أو جسديًا عنيفًا، يضع الشخص في حالة دائمة من التوتر والضغط.
ومع مرور الوقت، يبدأ المتضرر بملاحظة انعكاسات هذه العلاقة على نفسيته وإنجازه وثقته بنفسه، فيُعيد تصنيف علاقاته بين بنّاءة تدفعه للأمام، وأخرى سامة تُعيقه وتستنزف طاقته.
“تسمّم معنوي” وأعراض خفيّة
يؤكد مختصون أن من يعيش علاقة سامة غالبًا ما يعاني ضيقًا نفسيًا غير مبرر، وإحساسًا جسديًا مزعجًا، مع رغبة ملحّة في الفضفضة لشخص مقرّب. هذا التفريغ، كما يصفه التربويون، يكون أشبه بـ“تسمم معنوي”، تتخلله عبارات مشحونة بالألم والإحباط، ما ينعكس سلبًا على السلوك والقدرة على الإنجاز.
ويشيرون إلى أن الطرف المؤذي غالبًا ما يستخدم عبارات تقلّل من قيمة الآخر، وتهز ثقته بنفسه، وتستخف بقدراته، في محاولة لتكريس السيطرة وتدمير أي إحساس بالاستقلال أو النجاح.
ملامح الشخصية السامة
بحسب تربويين، تتشارك الشخصيات السامة صفات متقاربة، أبرزها: الحقد، والنفاق، والمراوغة، والفضول المفرط، مع أسلوب كلام معسول يخفي نوايا استنزافية. وهي شخصيات لا تكلّ ولا تملّ في استهلاك طاقة الآخرين نفسيًا وعاطفيًا.
ويتم كشفها كما يؤكدون من خلال تحليل العبارات التي تصدر عنها، وملاحظة أثرها المباشر على النفسية، إضافة إلى التغيّر الإيجابي الذي يطرأ على السلوك والإنجاز عند الابتعاد عنها.
في هذا السياق، يوضح الطب النفسي أن العلاقة الصحية تقوم على سعي الطرفين إلى سعادة بعضهما وتطوير العلاقة بشكل متوازن، مع احترام حرية التعبير ودعم القرارات دون لوم أو إشعار بالذنب.
أن العلاقة السامة، على النقيض، تُشعر أحد الطرفين أو كليهما بتهديد مستمر وانعدام للأمان، حيث يبرز التملك والسيطرة والأنانية، سواء بشكل مباشر أو بأساليب ملتفّة.
و الخلاف على السيطرة قد يظهر في بدايات أي علاقة، لكنه غالبًا ما يُحل عبر التفاهم. أما الإصرار المستمر على التحكم، فيُعد ناقوس خطر حقيقي.
المظاهر شائعة للعلاقات السامة، من أبرزها:
التقليل من شأن الطرف الآخر بالاستهزاء، ما يضعف ثقته بنفسه ويشلّ قدرته على اتخاذ القرار.
الانفعال المفرط عند النقاش، كالعصبية أو الحزن الشديد، لدفع الطرف الآخر إلى الصمت وتجنّب المواجهة.
توليد الشعور بالذنب، خاصة في علاقات الأهل والأبناء، لتحقيق الطاعة والسيطرة.
التخلّي عن المسؤولية بالكامل وتحميلها للطرف الآخر، ما يخلق لديه قلقًا دائمًا وضغطًا نفسيًا.
وأخيرًا، أي علاقة تتضمن إيذاءً جسديًا أو لفظيًا تُعدّ بلا شك علاقة سامة.
كيف تحمي نفسك؟
ينصح التربويون بالابتعاد قدر الإمكان عن العلاقات السامة، حتى لو كانت من دائرة الأقارب، مع ضرورة وضع حدود واضحة تحمي الصحة النفسية والجسدية. كما يشددون على أهمية الوعي الذاتي، وبناء خطة شخصية تعيد للفرد صورته الحقيقية، وتساعده على استعادة توازنه بعيدًا عن التأثيرات المؤذية.
في النهاية، تبقى العلاقات الإنسانية ضرورة لا غنى عنها، لكن الوعي بنوعيتها هو الفارق بين علاقة تُنمّي الإنسان، وأخرى تستنزفه بصمت.


