خطة تفريغ قرى في الجنوب من سكانها ستكون بمثابة مقامرة إسرائيلية استراتيجية.. أي محاولات لفرض وقائع بالقوة على غرار عامي 78 و 82 سيعطي زخماً أقوى للمقاومة
كتب حسين زلغوط:
تتبلور يوماً بعد يوم ملامح مقاربة إسرائيلية جديدة في الجنوب اللبناني، تتجاوز منطق العمليات العسكرية المحدودة إلى مشروع ميداني واسع يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الحدودي برمّته، حيث أن الحديث لم يعد يقتصر على غارات جوية أو عمليات ردعية، بل يتقدّم نحو فكرة أكثر خطورة وهي تدمير القرى الحدودية وإفراغها من سكانها، ومنع عودتهم، بما يفضي إلى إنشاء منطقة أمنية خالية من البشر، وهذا التحوّل لا يعكس تصعيداً عسكرياً فحسب، بل يؤشر إلى تغيير عميق في فلسفة إدارة الصراع، من الاحتواء إلى إعادة الهندسة القسرية للبيئة الحاضنة، على غرار ما حصل في اجتياح العام 1978، ومن ثم اجتياح العام 1982.
هذا التوجه ينبع من قناعة إسرائيلية متزايدة بأن قواعد الاشتباك التي سادت خلال السنوات الماضية لم تعد كافية لضمان أمنها الحدودي. فرغم الكلفة البشرية والمادية العالية للمواجهات، لم تتمكن إسرائيل من إحداث اختلال حاسم في ميزان الردع مع حزب الله، ومن أجل ذلك يبدو أن التفكير انتقل من استهداف القدرات العسكرية إلى محاولة تفكيك البيئة الاجتماعية التي تشكّل عمق المقاومة، عبر اقتلاعها من جذورها الجغرافية والبشرية.
من هنا يبرز مفهوم «الشريط الأمني الخالي من السكان» فهذه الفكرة تقوم على خلق حزام جغرافي عازل، لا يُسمح فيه بأي وجود مدني، بما يحدّ من إمكان استخدام القرى كنقاط تمركز أو انطلاق. غير أن هذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من منطق عسكري تقليدي، يتجاهل تعقيدات الواقع اللبناني، حيث تتداخل الجغرافيا بالهوية، والأرض بالذاكرة الجماعية، ما يجعل أي محاولة لفصل السكان عن أرضهم بمثابة تفجير لعوامل صراع كامنة، وهو ستكون عواقبه وخيمة على وجود الجيش الاسرائيلي في هذه المدن والقرى.
من الطبيعي أن إفراغ القرى الحدودية لا يعني فقط تهجير آلاف العائلات، بل يفتح الباب أمام أزمة إنسانية متعددة الأبعاد. فهذه القرى ليست مجرد نقاط على الخريطة، بل هي حياة متجذّرة، ترتبط فيها الأجيال بأرضها بعلاقات تتجاوز الاقتصاد إلى الانتماء والهوية. فاقتلاع هذه المجتمعات سيؤدي إلى تفكك شبكاتها الاجتماعية، وإلى تحميل المدن والمناطق الداخلية أعباء نزوح جديدة، في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من هشاشة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.
كما أن هذا المشروع على المستوى السياسي، يحمل تداعيات خطيرة على مفهوم السيادة. فغياب السكان عن الأرض يضعف الحضور الفعلي للدولة اللبنانية في مناطقها الحدودية، ويخلق فراغاً قد يُستغل لفرض وقائع جديدة، سواء عبر تكريس منطقة عازلة، أو عبر إعادة رسم حدود النفوذ الميداني، وهذا ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، حيث تحوّلت المناطق «المؤقتة» إلى وقائع طويلة الأمد، يصعب تفكيكها لاحقاً.
أما عسكرياً، فإن الرهان على الجغرافيا وحدها كوسيلة لضبط الصراع يبدو محفوفاً بالمخاطر، فالتجارب أثبتت أن إبعاد السكان لا يلغي التهديد، بل قد يعيد تشكيله بطرق أكثر تعقيداً. فالقوى غير النظامية، وعلى رأسها حزب الله، تمتلك القدرة على التكيّف مع المتغيرات، وقد تجد في هذه الخطوة دافعاً إضافياً لتوسيع نطاق المواجهة، بدل احتوائها. كما أن تحويل الشريط الحدودي إلى منطقة خالية قد يجعله ساحة مفتوحة لعمليات عسكرية متبادلة، من دون كوابح مدنية أو اعتبارات إنسانية، ما يزيد من احتمالات الانزلاق نحو تصعيد واسع.
والأخطر من ذلك كله في رأي مصادر عليمة، أن هذه المقاربة قد تُفسَّر كإعلان غير مباشر عن تغيير جذري في قواعد الاشتباك. فحزب الله، الذي ينظر إلى الجنوب كركيزة أساسية في معادلة الردع، لن يتعامل مع مشروع كهذا كإجراء تكتيكي محدود، بل كتهديد استراتيجي يستهدف بنيته العميقة، وهذا ما قد يدفعه إلى ردود تتجاوز الإطار التقليدي للمواجهة، سواء من حيث نطاقها الجغرافي أو من حيث طبيعة الأهداف.
وفي رأي المصادر أن لبنان، في المقابل، يقف أمام تحدٍ مركّب،فالدولة، المثقلة بأزماتها السياسية والمالية، قد تجد نفسها عاجزة عن استيعاب تداعيات موجة نزوح جديدة من الجنوب. فالبنية التحتية المتهالكة، والخدمات العامة المحدودة، لن تكون قادرة على تحمّل ضغط إضافي، ما ينذر بتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. كما أن هذا السيناريو قد يعيد إنتاج توترات داخلية، في ظل احتكاك محتمل بين النازحين والمجتمعات المضيفة، وهو ما يحذر منه أكثر من مسؤول سياسي وأمني.
وما يمكن ان تُقدم عليه اسرائيل في جزء من الجنوب، لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع، حيث تتقاطع ملفات عدة في لحظة واحدة. فإعادة رسم الواقع في الجنوب اللبناني قد تكون جزءاً من مقاربة أشمل تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، في ظل ترابط الساحات وتداخلها، فأي خطوة من هذا النوع قد لا تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل قد تتدحرج سريعاً نحو مواجهة أوسع، خصوصاً إذا ما تداخلت مع حسابات إقليمية أخرى.
لا شك ان هذه الخطة، إذا ما تم المضي بها، ستكون بمثابة مقامرة استراتيجية اسرائيلية عالية المخاطر. فهي قد تمنح تل أبيب تفوقاً ميدانياً مؤقتاً، لكنها في المقابل تعمّق جذور الصراع، وتدفعه نحو مستويات أكثر تعقيداً. فالتاريخ يثبت أن محاولات فرض وقائع بالقوة غالباً ما تنتج نتائج عكسية، عبر توليد دوافع إضافية للمقاومة، بدل القضاء عليها.
وحيال ذلك يقف الجنوب اللبناني مرة جديدة على مفترق خطير. إما أن يُدفع نحو واقع جديد تُفرض فيه المعادلات بالقوة، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات مفتوحة، أو أن تُستعاد مقاربة أكثر توازناً، تدرك أن الأمن لا يُبنى على الفراغ، وأن الجغرافيا، مهما تغيّرت، تبقى محكومة بإرادة من يسكنها.


