غسان مراد: الاعتماد الكلّي على الذكاء الاصطناعي يُعفّن الدماغ(2/2)

فبراير 12, 2026 - 18:42
 0
غسان مراد: الاعتماد الكلّي على الذكاء الاصطناعي يُعفّن الدماغ(2/2)

 كتبت ليندا نصار: 

 يُعدّ غسان مراد من أوائل المتخصصين في حوسبة اللغة العربية والذكاء الاصطناعي، وهو من أدخل تخصص اللسانيات الحاسوبية إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. وقد التقينا به لاستطلاع رأيه الحالي في ظل الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بخاصة وأنه يُعتبر من رواد هذا الاختصاص في العالم العربي.

تتنوع مقالاته بين علميّة وإعلاميّة، وكتبه حول هذا الموضوع تحظى بانتشار واسع، لتركيزها على تبسيط العلوم التقنية باللغة العربية وعلى خلفية محاولته نحت وتعميم مصطلحات جديدة في المجال الرقمي. وينبع هذا التوجه من قناعته الراسخة بأن اللغة العربية بخير دائمًا، وأنها لغة العلوم بامتياز، ومن ضرورة إثراء المحتوى الرقمي العربي من قبل العاملين في هذا المجال. وتكمن أهمية ذلك في دعم اللغة من جهة، وضمان توافق التطبيقات الذكية المزمع تنفيذها عربيًا مع اللغة والقيم العربية من جهة أخرى. كان هذا اللقاء بهدف الوقوف على أبرز المحطات البحثية والمعرفية والأكاديمية في هذا المجال، فالذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا للتسلية، بل أصبح من ضروريات الحياة انطلاقًا من مقولته: "الذكاء البشري ابتكار، أما الذكاء الاصطناعي فهو تكرار..."، مع وضعه ثلاث نقاط للتأكيد على صعوبة التنبؤ الحتمي بمستقبل هذا المجال، برغم إيمانه بحتمية التقنيات كمسبب أساسي للتغيرات.

من إصداراته: "مرايا التحولات الرقمية والتمثلات الذهنية للذكاء الاصطناعي"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2022. "الاتصال بين الالتزام والإلزام"، إعداد، تحرير وتقديم. دار النهضة، بيروت، 2020. "الترقيم والتنقيط والإعجام في اللغة العربية- السياق التاريخي والدلالي". دار النهضة، بيروت، 2020. "دهاء شبكات التواصل، وخبايا الذكاء الاصطناعي"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2019. "الإنسانيات الرقمية: ترويض اللغة في سبيل معالجتها آليًا"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2024.

وسيصدر له قريبًا كتاب "أصوات بلا ذاكرة: اغتراب المعنى والوعي في ذكاء الآلة"، عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. 

هنا الجزء الثاني والأخير من الحوار معه:

 (*) إلى أي مدى يمكن اعتبار الإنسان مستودَعًا للبيانات أو للمعارِف؟ وهل سيكون قادرًا على إنتاج الحكمة عبر تفاعلٍ عصبيّ متشابِك؟

إذا استطعنا أن نترجم هذه العمليات كلّها ترجمةً صوريّة (Formal) فعندئذٍ لدينا إمكانية لتخزين الدماغ. أمّا إذا لم يتحقّق ذلك، فسيكون الأمر بالغ الصّعوبة. هذه الصّعوبة لا يمكن تجاوزها إلّا إذا اتّجه العالم فعلًا إلى تقريب الإنسان من الآلة، أي أنّ الإنسان نفسه يصبح أقرب إلى نمط تفكير الآلة، كأنّنا أمام شكل جديد من الاستنساخ، وهو ليس استنساخًا جسديًّا، إنّما سلوكيًّا وفكريًّا يجعل الأفراد أشبه بالقطيع: تشابه في أنماط التّفكير، والذّائقة، وأساليب العَيش...

(*) هل ترى أنّه توجّه مقصود؟

نعم، فما يُخطَّط له هو تهيئة الأجيال، لا سيّما الصّغرى، لتقبّل التكنولوجيا والاندماج معها، والتّعلّق العاطفيّ بالآلة. وحين تصبح الأجيال مُعتادَة ذلك، قد لا يبدو غريبًا أن تتوسّع حدود التّقبّل إلى الزّواج من الآلة، أو زرع شرائح في أدمغة الأطفال بحُجّة زيادة القدرات الذّهنيّة. هنا، نقف أمام برمجةٍ مباشرة للدّماغ، كبرمجة الحاسوب تمامًا، وهذا ما سيؤدّي إلى إشكالات خطيرة، ومن أخطرها اتّساعُ الفجوة المعرفيّة بين من يملك القدرة على الوصول إلى هذه التقْنيات ومن لا يملكها. هناك توقّعات تشير إلى أنّ هذه المرحلة تبصر النّور بين عامَي 2045 و2050 شرط أن ننجح في صياغة الشبكة العصبية الدماغية بلغة صوريّة دقيقة. فالآلة بنية برمجيّة لا تفكّر. لذلك يقال، إنّ الذكاء الاصطناعي يقوم على التكرار، في حين أن الذكاء البشري يقوم على الابتكار.

كلّ ما نعرفه عن الدّماغ لا يزال محدودًا، فنحن لا نعرف بالتّحديد الموقع في الدّماغ للبنية الصّرفيّة (Morphology) والبنية التركيبية (Syntax) والدلالة (Semantics) والتداولية (Pragmatics). وهذه المستويات يمكن تشبيهها بتدرّج البيانات والمعلومات والمعرفة والحكمة. كلّها متداخلة لا يمكن فصلها بسهولة.

من هنا ضرورة بناء إنسان محترف يعرف كيفيّة التّعامل مع التكنولوجيا ويميّز النّافع من الضارّ. وفي الوقت نفسه، من الضروريّ العمل على تسهيل العلوم باللغة العربية وتبسيط المفاهيم بلغة تتيح لجميع الناس فرصة النقاش فيها وفهمها.

(*) كيف سينعكس هذا الاختلاف المعرفي على الأجيال داخل الأسر (جيل الأهل وجيل الأبناء)؟

حين أحكم اليوم على سلوك ابنتي في استخدام التكنولوجيا، فإني أحكم من منظوري وعقلي الشّخصيّ. لكن عقلها يختلف عن عقلي، لأنّ تجربتها التقنية والرقميّة والعصبيّة والثقافية مختلفة. لا يمكن أن أفرض عليها نموذج فكريّ قديم، فلكلّ إنسان تركيبه العصبيّ الذي تشكله بيئته ونمط حياته وتربيته. لدينا نحو 100 مليار خليّة عصبية في الدماغ، ولكنّها لا تُملأ بالطّريقة ذاتها. ومع ذلك، يتميز الدماغ البشريّ بالقدرة على التكيّف والتعلّم وإعادة التّشكيل.

تتجلّى الفجوة بين الأجيال حيث أنّه في الماضي كان الكبار يعلّمون الصغار، أمّا اليوم فكثيرًا ما يعلّم الصّغارُ الكبار. والتّعلّم مع التّقدّم في العمر، يصبح أبطأ، لأنّ الدّماغ يكون مشغولًا بأنماط معرفيّة راسخة تحتاج إلى إعادة ترتيب.

الثّقافة، في جوهرها، منظومة متكاملة تشمل الفيزياء والكيمياء والرّياضيّات وعلم النّفس والفلسفة والتّاريخ والجغرافيا. ومع تراجع الدّور التّقليديّ للإعلام، بدأت التّكنولوجيا تسحب البساط منه، وبرزت الحاجة إلى تبسيط العلوم ونشر المعرفة بطرائق جديدة، أكثر انسجامًا مع العصر الرقميّ.

لقد اتّسَعَ مجال الكتابة؛ فلم تَعُد المقالة شرطًا للنّشر كما كانت في السّابق. كلّ إنسان صار يكتب ما يشاء وينشر ما يشاء. بالإضافة إلى أنّ اقتحام الذّكاء الاصطناعيّ الحياة، قد ألزم الصِّحافة أن تتناوله، لأنّه مؤثِّرٌ في السّياسة والثّقافة والاقتصاد وسائر الشؤون. غير أنّ من يكتب عن ذلك، هم إعلاميّون لا مختصّون، ما يجعل الموضوع يفتقر إلى الخبرة والمعرفة. هناكَ موادّ كانت تُقدَّم بهيئة إعلانات، ثمّ باتت تسمّى اليوم مقالات، وهي جزء من اقتصاد الاانتباه: الوقت الّذي نقضيه على الشّاشة. وبذلك، صاروا يبيعوننا للمُعلِنين، بعدما كان المُعلِن سابقًا يدفع لينشر، صرنا جميعًا نعمل اليوم لمصلحة المنصّات الرّقميّة مثل OpenAI، كأنّنا موظّفون لديهم من دون علمنا. ولمَ يوفّرون الخِدْمات مجّانًا؟ ليست المسألة نشر المعرفة، أو حقوق الإنسان وما شابه، إنّما يستقطبون جمهورًا لهم. كلّ هذا خداع! هناك سباقٌ جارٍ ضمن عمليّة التّأثير في السّلوك. والصّراع الكبير اليوم، هو بين الصّين وأميركا وأوروبّا للسّيطرة على التّكنولوجيا، بل على المعلومات.

"القارئ هو من يمنح النّصّ معناه. فحين يعرف أنّ ما يقرأه أو يتلقّاه صُنِع بالآلة، تقلّ قابليّة اقتناعه به"

ومن يملك المعلومات، يملك إمكانية السّيطرة. كما بدأت دول عربيّة تدخل مجال الذكاء الاصطناعيّ، بخاصّةٍ دول الخليج، لأنّها أدركت أنّ المستقبل لمَن يستثمر في الذّكاء الاصطناعيّ. إلّا أنّ بعض الدّول، لم تنجح قطّ في توثيق الأرشيف العربيّ كما حصل في الغرب. فهذا يحتاج إلى ضبطٍ كبيرٍ، وما زالت البرامج لا تلتقط العربيّة كما ينبغي، لأنّ الاشتغال على المحتوى الرّقميّ العربيّ ضعيف، والمحتوى العربيّ لا يتجاوز 3% من المحتوى المتوفّر على الإنترنت. ونرى كثيرين ينسخون ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي نسخًا حرفيًّا، على أنّه تحليل مُحكَّم. 

على الرّغم من أنّ أغلبيّة الشّعب العربيّ موجودة على الإنترنت، فإنّ سبب الإنتاج العربيّ للمحتوى الجيّد معدوم، أمّا التّفاهات فمنتشرة وبكثرة. وفي السّعوديّة، أُطلق نموذج لغويّ عربيّ، هو الأوّل من نوعه في العالم العربيّ. لقد درّبوه على النّصوص العربيّة، بمعايير تحافظ على القيم والثّقافات العربيّة. ونحن بحاجة إلى إثراء المحتوى الرّقميّ العربيّ، لأنّ الذّكاء الاصطناعيّ يقوم على المحتوى: فإذا لم يكن لدينا محتوى، جاءت الإجابات من خارج الفكر العربيّ، بصورة ترجمة لا تلائم الثقافة العربيّة. كما أنّ ما يجري في لبنان من مؤتمرات وأحاديث هو فقاعات لإظهار اهتمامنا لا أكثر، لكن الاهتمام وحده لا يكفي. الأمر يحتاج إلى موازنات كبيرة، وإلى استثمار في العقل البشريّ، وإلى بنية تحتية رقمية، وهذا لم يحدث وغير متاح. إنّ دول الخليج كانت سبّاقة في الموضوع وأولته أهميّة للعمل عليه والاستثمار فيه. فاشتروا شرائح من شركات خاصّة بتشغيل الذكاء الاصطناعي، لأنّه يحتاج إلى شرائح إلكترونية مخصّصة، لا إلى أيّ حاسوب. تُركَّب هذه الشرائح في مراكز البيانات، وهذه المراكز تستهلك الكهرباء والماء بوفرة، ما يخلق مشكلة بيئيّة. غير أنّ ميّزة العالم العربيّ، توافر الشّمس وإمكان الاعتماد على الطاقة البديلة لتشغيل المراكز. ومساحة الأرض الّتي ستشغلها خوادم مراكز البيانات خلال عشر سنوات، سوف تعادل خمس مرّات مساحة لبنان، أي 55,000 كلم2. تخيّلي حجم الحواسيب وكمّيّة الماء للتّبريد، ما سيؤثّر فعلًا في موارد المياه عالميًّا.

(*) أحيانًا، لا نستطيع التّمييز بين نصٍّ إبداعيّ كتبه الإنسان، ونصٍّ أنتجه الذكاء الاصطناعيّ، أو آخَر دمج صاحبه تجربته بالذكاء الاصطناعيّ ثمّ صقله. إلى أي مدى تخاف على الشعر والرواية والإبداع، من الذكاء الاصطناعي؟ وهل ما زلنا قادرين على التّمييز؟

هذه المسألة صعبة! ذهنيًّا، إنّ القارئ هو من يمنح النّصّ معناه. فحين يعرف أنّ ما يقرأه أو يتلقّاه صُنِع بالآلة، تقلّ قابليّة اقتناعه به. أمّا الانتحال والسّرقة الأدبيّة والكذب، فهي قديمة. وبالتّأكيد، توجد إشارات تُظهر غياب الحسّ البشريّ في الإنتاج الآليّ، شكلًا ومضمونًا. من هذه الإشارات، نذكر أنّ جمل الذكاء الاصطناعي متقاربة الطول، بين 12 و15 كلمة، والعِبارات الرّابطة تتكرّر. وكذلك، العناوين النمطية وبنية العمل الشّائعة (مقدّمة، إشكاليّة، فرضيّات...) ما قد يتحوّل لاحقًا إلى قوالب شائعة ومعياريّة. ولا شكّ في أنّ سرعة الإنجاز، أدّت إلى زيادة النّشر، ما أوصل إلى قلّة الجودة، كما تشير دراسات جامعيّة في بريطانيا.

من جهة أخرى، إنّ الاعتماد الكلّيّ على الذكاء الاصطناعي قد يفضي إلى ما يسمّى تعفّن الدّماغ، أي أنّ خلايا الدماغ تُهمَل ولا تُستَعمَل، وتفقد قدرتها على التفكير والتحليل والإنتاج. وقد تحدّثت سابقًا عن الانتحال العلميّ: من يبدأ حياته العمليّة بالانتحال، يمضي فيه.

(*) هذا الأمر يسبّب قلقًا. كأنّنا نتّجه إلى الهاوية. من ينقذنا؟ ومن ينقذ الجيل الأصغر من هذه الهاوية، وسط ما يحدث من تزوير وتضليل؟

الإنسان وحده هو من ينقذ ذاته.

إذا لم يستطع الإنسان أن يسيطر على التكنولوجيا، فإنّها ستسيطر عليه لا محالة. فغياب الثقافة التكنولوجيّة يجعلنا خاضعين لها، ومن هنا جاءت الدّعوة إلى تبسيط العلوم لتوسيع دائرة فهمها. والعرب يقولون إنّ الإنسان يخاف ممّا يجهل، وهذه حالنا إزاء التكنولوجيا الّتي لا نفهمها.

(*) بالعَودة إلى موضوع البحوث والنّشر، تفرض بعض الجامعات على طلّابها نشر بحث لهم، على الأقلّ، في مجلّةٍ محكّمة ومفهرَسة ضمن قواعد بيانات "Scopus" حصرًا. ما رأيكَ بهذه السّياسة؟

لقد وصلنا إلى ثقافةٍ تهتمّ بالمظهر والاحتفال ورفع نسب المتابعة، أكثر من اهتمامها بالجوهر. هذا التّمظهر يقود إلى فقدان المعنى، وينطبق على الأفراد والجامعات والمؤسسات، بما فيها الجامعات الّتي تسعى إلى رفع تصنيفها، وخلق تنافس عدديّ، ما ينعكس سلبًا على الطّالب: هو يبحث لكن أين ينشر؟ النّشر بحدّ ذاته لا قيمة له، إن لم تكن المنصّة العلميّة النّاشرة ذات ثقل وقيمة. لقد وقعت بعض الجامعات في فخّ عبودية التصنيفات والمؤشرات، فبدأت تدفع المال مقابل نشر أبحاث الطلاب، إلى أن صارت أقصى غاياتها السّرعة بدل الجودة.

إنّ ثقافة السرعة هذه تغذّيها وسائل الإعلام التي تبحث عن "الترند"، وتعمل وفق اقتصاد الانتباه لزيادة الإعلانات والجمهور. القلّة القليلة من المقاطع القصيرة التي نشاهدها على وسائل التواصل تبقى في الذاكرة، لأنّ التصفح السريع لا يتيح تفكيرًا عميقًا، وهذا ما يعقّد عمل الدّماغ. كل هذه الظواهر تطاول التعليم والتربية والأخلاق، ما يحتّم إعادة النظر بالمناهج التعليمية لتتكيّف مع هذا التحول. فإذا كان النصّ سابقًا يعتمد على اللسانيّات الكلاسيكية، فنحن اليوم بحاجة إلى اللسانيات الحديثة، ولسانيّات المدوّنات، وإلى علم السيمياء لفهم الصّورة. فالنص تغيّر، العلاقات التشعبيّة أحدثت ثورة في المكان والزّمان وطريقة التلقّي. باختصار إنّ ما نشهده هو في جوهره ثورة في عالم النص.