التفاوض مع إسرائيل يبدأ من الأرض… كما في 1983

أبريل 13, 2026 - 07:26
 0
التفاوض مع إسرائيل يبدأ من الأرض… كما في 1983

 كتب شارل جبور في "نداء الوطن":

 عندما يخوض "حزب الله" حروبه، يفعل ذلك انطلاقًا من حاجته إلى تبرير وجوده ودوره والحفاظ على شرعيته، باعتبارها تشكّل جزءًا من هويته وشرطًا لاستمراريته. لكنه يحرص دومًا على ضبط هذه الحروب ومنعها من الانفلات، تجنّبًا للقضاء على وضعيته العسكرية. وفي المقابل، يسعى غالبًا إلى الاشتباك الكلامي كتعويض عن اشتباك عسكري يفضّل عدم حصوله، تداركًا لتداعياته.

فالحزب لا يريد حربًا مفتوحة قد تطيح ببنيته العسكرية والسياسية، بل يفضّل حروبًا محدودة ومدروسة تُبقيه في موقع الفاعل ضمن المشروع التوسّعي الإيراني، من دون أن تعرّضه لخطر الاندثار. وهذا ما يفسّر تحوّل وقف إطلاق النار إلى أولوية لديه في كل مواجهة تقريبًا.

وإذا عدنا إلى المحطات السابقة، يتكرّر المشهد نفسه: في 1993، ثم 1996، ثم 2006، وصولًا إلى 2024، كان الحزب يسارع، بعد كل تصعيد عسكري، إلى الدفع باتجاه وقف إطلاق النار. وهذا يدلّ على استراتيجية ثابتة تقوم على خوض مواجهة محسوبة، ثم استثمار نتائجها سياسيًا قبل أن تتطوّر إلى ما لا يمكن السيطرة عليه.

وفي كل مرة تتفلّت فيها الحروب من ضوابطها، يسعى إلى زرع أهدافه العسكرية بين المدنيين، بما يعرّضها للاستهداف الإسرائيلي، ليحوّل المعاناة الإنسانية، التي كان سببًا فيها، إلى معركة رأي عام، تهدف إلى لجم المواقف الداخلية المعترضة على سلاحه، وإلى توليد ضغط دولي متزايد على إسرائيل لوقف الحرب، بما يحول دون إنهاء وضعيته العسكرية. لذلك، يعمل دائمًا على إبقاء المواجهة ضمن "سقف آمن"، يسمح له بالقول إنه خاض الحرب من دون أن يدفع ثمنًا وجوديًا.

غير أنّ ما تغيّر في المرحلة الأخيرة هو انكشاف هذا المنطق بشكل أوضح. فقد سعى الحزب إلى تحويل وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 إلى مشهد مكرّر من التجارب السابقة، إلا أنّ إسرائيل كشفت استراتيجيته، وتخوض هذه المرة حربًا مختلفة تقوم على قاعدة اقتلاعه، لا العودة إلى قواعد اشتباك معه، ما شكّل عنصر مفاجأة سلبية له. وعلى الرغم من الاستهداف اليومي لكوادره، وإبقائه تحت المراقبة الإسرائيلية الأمنية، ووجود سلطة لبنانية تؤكّد على نزع سلاحه، فقد نجح في إعادة ترميم جزء من قدراته. وهذا يعني أنّ أخطر ما يمكن تصوّره هو وقف إطلاق نار من دون نزع سلاحه.

وقد عاد الحديث عن وقف إطلاق النار ليتصدّر الواجهة مع المباحثات الأميركية – الإيرانية من جهة، ومع موافقة تل أبيب على الطلبات اللبنانية المتكرّرة بالتفاوض المباشر من جهة أخرى. غير أنّ تجربة التفاوض في مطلع الثمانينيات تُظهر أنّ هذا المسار لم يبدأ إلا بعد إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وأن فشله لاحقًا ارتبط بميزان القوى السوفياتي – الأسدي على الأرض اللبنانية، حيث كانت الدولة عاجزة عن تنفيذ الاتفاق.

اليوم، يُطرح التفاوض في ظل وجود سلاح "حزب الله" وعدم قدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها. وقد وضع بنيامين نتنياهو شرطين لهذا التفاوض: نزع سلاح الحزب والوصول إلى سلام. فهل الدولة قادرة على تحقيق الشرط الأول، وهو شرط يعني لبنان قبل إسرائيل، إذ لا يمكن القبول بوجود قوة تستخدم الأراضي اللبنانية منطلقًا لعملياتها العسكرية؟ وهل تستطيع، في حال التوصّل إلى اتفاق، أن تضمن تطبيقه؟ وما الجدوى من وقف إطلاق نار سيستفيد منه الحزب لإعادة ترميم قدراته؟

لا شكّ أنّ الجلوس وجهًا لوجه يشكّل خطوة مهمّة وغير مسبوقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن نجاحه يبقى مرتبطًا بنزع سلاح "حزب الله"، انطلاقًا من القاعدة الجوهرية: من يسيطر على الأرض يسيطر على القرار. فهل يمكن لأي اتفاق أن يصمد إذا لم تكن الدولة الجهة الوحيدة التي تمسك بقرار الحرب والسلم؟ التجارب السابقة تؤكّد أنّ أي اتفاق لا يستند إلى سيطرة فعلية على الأرض يبقى عرضة للسقوط، أو للتحكّم بمساره من قبل من يفرض هذه السيطرة.

ومن أجل أن يؤدي أي تفاوض إلى النتيجة المطلوبة، لا بدّ أن ينطلق من تجربة عام 1983، أي أن يأتي بعد تغيير فعلي في ميزان القوى على الأرض، لا قبله. بمعنى أوضح: إمّا أن يتمّ نزع سلاح "حزب الله" قبل الدخول في أي مسار تفاوضي، فتستعيد الدولة قرارها السيادي الكامل، وإمّا أن يصل الحزب إلى لحظة يضطر فيها إلى القبول بالتفاوض تحت وطأة الضغط العسكري، طلبًا لوقف الحرب.

وفي الحالتين، يبقى العامل الحاسم هو تبدّل الوقائع الميدانية، لا مجرّد الجلوس إلى طاولة المفاوضات. لا سيّما أنّ إدخال لبنان في مسار التفاوض الحالي جاء نتيجة التطوّرات العسكرية التي فرضها الحزب نفسه، إذ لم تكن هذه المسألة مطروحة سابقًا، حيث كان أي حديث عن التفاوض يرتبط بمبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة:

ما أولوية "حزب الله" اليوم؟ وقف إطلاق النار. ولماذا؟ للحفاظ على سيطرته على الأرض وقطع الطريق على أي مسار سلام، وإسقاط المفاوضات ميدانيًا.

ما أولوية إسرائيل؟ نزع سلاح "حزب الله" لضمان أمنها. وهل يمكنها الذهاب إلى سلام مع لبنان من دون ذلك؟ بالتأكيد لا. وهل تعتبر أنّ الدولة اللبنانية قادرة على تنفيذ هذه المهمة؟ على الأرجح لا.

ما أولوية الدولة اللبنانية؟ تنفيذ دستورها والقرارات الدولية ذات الصلة، وخطاب القسم، والبيان الوزاري، وقراراتها الحكومية، عبر نزع سلاح "حزب الله" وحظر أنشطته العسكرية. لكن هل هي قادرة على التنفيذ؟ التجربة تُظهر أنّها قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية، لكنها متردّدة في فرضها بالقوة.

ويبقى أنّ من يسيطر على الأرض يسيطر على القرار. وبينما تملك الحكومة القرار السياسي الذي يتيح لها اتخاذ قرارات كبرى، فإنها لا تزال تفتقد السيطرة الفعلية على الأرض. والسباق اليوم قائم بين دولة تسعى إلى بسط سلطتها، وحزب يعمل على استعادة تأثيره في القرار السياسي بالتوازي مع سيطرته الميدانية، أو في الحد الأدنى إلى محاصرة الحكومة وشلّها، لإظهارها كطرف تفاوضي عاجز عن تنفيذ أي اتفاق، تمامًا كما هي عاجزة عن تنفيذ قراراتها.

وهذا ما يؤكّد أنّ الحزب يريد وقفًا لإطلاق النار لتعديل المعادلات السياسية، ما يعني أنّ أي تفاوض قبل نزع السلاح سيبقى فاقدًا لمرتكزاته الأساسية، إلا إذا جرى هذا التفاوض تحت النار.