حراكٌ سعودي في لحظة مفصيّلة... ما أهدافه؟
كتبت جوانا فرحات في "المركزية":
بقوة وفي لحظة مفصلية، عاد إسم المملكة العربية السعودية ليتردد في أروقة مراكز القرار سواء في الداخل اللبناني أو الإقليمي والدولي. وهذا ليس بجديد أو مستغرب ، فالسعودية لم تتخل يوما عن لبنان في الحرب كما في السلم، ولا يزال اتفاق الطائف الذي ولد بمسعى من المملكة وكتب نهاية الحرب الأهلية عام 1989 شاهدا على ذلك.
بوادر الحراك تظهرت مع الزيارة التي قام بها موفد المملكة السعودية الأمير يزيد بن فرحان إلى لبنان ودامت يومين التقى فيها عدداً من المسؤولين والنواب اللبنانيين، في إطار سعي المملكة المستمر، لوقف الحرب ودعم سيادة واستقرار لبنان، بالإضافة الى حرصها على تطبيق اتفاق الطائف ودعم التوافق الداخلي، وتنفيذ القرارات الحكومية.
إلا أن المحطة الأبرز جاءت في الزيارة التي قام بها النائب علي حسن خليل إلى الرياض موفداً من رئيس مجلس النواب نبيه بري واتصال الرئيس اللبناني جوزاف عون بولي العهد الأمير محمد بن سلمان وبيان رئيس الحكومة نواف سلام الذي جاء تتويجاً للجهود السعودية في وقف إطلاق النار.
عودة الحراك السعودي ليس مجرد اندفاعة مفاجئة بقدر ما هي إعادة تموضع ضمن سياق إقليمي أوسع. وفي هذا الإطار، اكتسبت اللقاءات التي عقدها الأمير يزيد بن فرحان دلالات خاصة حول موقع الرياض من ملفات إقليمية مترابطة، وفي مقدمتها مسألة التطبيع مع إسرائيل، ومستقبل الصيغة السياسية اللبنانية المرتبطة باتفاق الطائف والمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن.
النائب بلال شحيمي يشير في قراءة للحراك السعودي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان إلى أن المملكة العربية السعودية لا تعارض بشكل مطلق فكرة اتفاق السلام مع إسرائيل، إلا أنها بطبيعة الحال تربط هذا الملف بشروط سياسية واضحة وظروف داخلية. في المقابل، أظهرت السياسة السعودية في السنوات الأخيرة قدرًا من البراغماتية والانفتاح على احتمالات مختلفة، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية. لذلك، فإن مقاربة الرياض لملف السلام مع إسرائيل تبدو اليوم محكومة بمزيج من الثوابت التقليدية والحسابات الاستراتيجية الجديدة، لا سيما علاقتها مع الولايات المتحدة ومصالحها الأمنية والاقتصادية.
وإذ يؤكد الحشيمي على حساسية المرحلة وحرص المملكة العربية السعودية على عدم التسرع في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، من دون أن يمتلك الجانب اللبناني أي أوراق يطرحها على طاولة المفاوضات، يلفت إلى إن الحديث عن رغبة سعودية بالعودة إلى اتفاق الطائف يحمل قدرًا كبيرًا من الدقة. فقد كان اتفاق الطائف، الذي رعته عام 1989، الأساس الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وأعاد تنظيم النظام السياسي. ولطالما أكدت الرياض تمسكها بهذا الاتفاق كإطار شرعي للحكم في لبنان، ورفضها لأي محاولات لتجاوزه أو تعديله بشكل أحادي.
ويتابع، من هنا يمكن قراءة الحراك السعودي بأنه يسعى إلى إعادة تثبيت مرجعية الطائف، في ظل ما تعتبره الرياض اختلالًا في التوازنات التي نصّ عليها الاتفاق، سواء على مستوى توزيع السلطات أو على مستوى السيادة السياسية. ويشدد على أن اللقاءات التي عقدها بن فرحان مع أطراف لبنانية متعددة توحي بأن الهدف ليس فرض صيغة جديدة، بل الدفع نحو إعادة الالتزام بالقواعد القائمة، مع إدخال إصلاحات ضمن هذا الإطار بدل الانقلاب عليه.
التحدي الأساسي أمام أي "إحياء" للطائف يكمن في الواقع اللبناني نفسه. فالاتفاق، الذي وُلد في ظروف إقليمية ودولية مختلفة، يواجه اليوم أزمات بنيوية، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة، وتعاظم دور القوى غير الرسمية، والانهيار الاقتصادي غير المسبوق. لذلك، فإن مجرد الدعوة إلى العودة إليه قد لا تكون كافية، ما لم تقترن بإرادة داخلية لإعادة تفسيره وتطبيقه بشكل فعّال.
وعن طرح المسألة على قاعدة "العودة إلى اتفاق الطائف بدلًا من اتفاق سلام مع إسرائيل" يقول شحيمي "أن هذا الطرح في الواقع يخلط بين مستويين مختلفين تمامًا: مستوى داخلي لبناني يتصل ببنية النظام السياسي، ومستوى إقليمي يتصل بإعادة رسم خرائط العلاقات والتحالفات. والتعامل معهما كبديلين متقابلين قد يؤدي إلى استنتاجات مضلِّلة.
ففي البعد اللبناني، لا يزال اتفاق الطائف يشكّل الإطار الدستوري والسياسي الوحيد الذي يحظى بشرعية داخلية ودولية لإنهاء الحرب الأهلية وتنظيم الحياة السياسية. من هنا، فإن أي حديث عن "العودة إليه" يعكس في جوهره اعترافًا بأن الأزمة اللبنانية الراهنة ليست في غياب النص، بل في تعطّل تطبيقه. فقد نصّ الاتفاق على توازن دقيق بين السلطات، وعلى إصلاحات تدريجية، وعلى حصر السلاح بيد الدولة، وهي عناصر لم تُنفّذ بالكامل. لذلك، فإن إعادة تفعيل الطائف لا تعني استعادة الماضي، بل محاولة ترميم الحاضر عبر إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة.
في المقابل، فإن مسألة السلام مع إسرائيل ترتبط بحسابات سيادية وإقليمية تتجاوز لبنان نفسه. ولبنان تاريخياً لم يكن يوما في موقع المبادِر إلى اتفاقات سلام منفردة، بل كان يتأثر بمسار أوسع يشمل الصراع العربي–الإسرائيلي. وحتى اليوم، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه ترتبط بتوازنات داخلية حساسة، وبموقف قوى سياسية رئيسية، فضلًا عن ارتباط لبنان بمحيطه العربي.
ويختم الحشيمي "ليست السعودية في موقع الرفض المبدئي للسلام مع إسرائيل، لكنها تربطه بشروط سياسية لم تنضج بعد. وفي الوقت نفسه، يظهر أنها تسعى في لبنان إلى استعادة التوازن عبر إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف، لا كحل سحري، بل كأرضية يمكن البناء عليها. وبين هذين المسارين الإقليمي واللبناني، يتضح أن الرياض تتحرك وفق استراتيجية حذرة، تحاول من خلالها التوفيق بين الثوابت التقليدية ومتطلبات الواقع المتغير.


