الهدنة هدية للبنان... لكنها ملغومة!

أبريل 25, 2026 - 08:35
 0
الهدنة هدية للبنان... لكنها ملغومة!

 كتب طوني عيسى في "الجمهورية":

 في الظاهر، أوحى الدخان الأبيض من البيت الأبيض بأجواء انفراج. لكن هذا التوصيف ليس دقيقاً. ففي الواقع، ترافق تمديد الهدنة مع «استدعاء» استراتيجي أميركي لرئيس الجمهورية، من أجل عقد اللقاء الذي لطالما حاول لبنان التهرّب منه، مع بنيامين نتنياهو. فهذه الدعوة وضعت الدولة اللبنانية في عين العاصفة.

يبدو أنّ استجابة واشنطن لطلب لبنان تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، وبقرار مباشر من الرئيس دونالد ترامب، لم تكن هبةً مجانية، بل جاءت مغلّفة بـ»لغم» سياسي من العيار الثقيل: دعوة الرئيس جوزاف عون وبنيامين نتنياهو إلى لقاء ثنائي في أحضان البيت الأبيض. وبذلك، يقف لبنان أمام خيارات مستحيلة، فيما الميدان الإسرائيلي لا يعترف بهدنة، بل يواصل إنضاج واقع جغرافي خطير جنوباً.

 ​يجد لبنان الرسمي نفسه أمام «لحظة الحقيقة» التي لا تقبل التسويف. فإما أن يستجيب لترامب، وبذلك تكسر السلطة التنفيذية «محرّمات» تاريخية وتواجه اصطداماً عنيفاً مع «حزب الله» والرئيس نبيه بري يهدّد استقرار الداخل، وإما أن يعاكس رغبة ترامب، الرجل الطامح إلى استيعاب الكرة الأرضية وتغيير حركة الكواكب. وبذلك سيخسر لبنان واشنطن، وترامب تحديداً، باعتباره «الضمان» الوحيد الممكن استخدامه لمنع تحوّل الجنوب إلى «غزة ثانية» أو تعرّضه إلى الضمّ في شكل دائم.

 إنّها معضلة دولة فُرضت عليها خيارات مرّة، نتيجة الهزيمة في حروب لا تعنيها. فقط هي مجبرة على تلقّي الصدمات ودفع الأثمان عن الأطراف التي قرّرت من تلقاء نفسها «جلب الدب إلى الكرم اللبناني»، وهي تعرف مسبقاً أنّها عاجزة تماماً عن ردعه، لكنها رمت الكرة في حضن الدولة وراحت تشمت بها وتسخر من عجزها.

 ​في المقابل، يبدو نتنياهو المستفيد الأكبر من هذه الأسابيع الثلاثة. فالهدنة في قاموسه ليست «وقفاً للأعمال العدائية»، بل هي «بيئة عمل مثالية» لوحدات الهندسة والجرف وللمسيّرات التي تنفّذ عمليات التصفية. وربما تنشغل الديبلوماسية في واشنطن بترتيب الكراسي والبروتوكول، تحضيراً لاجتماع ثنائي سيهتز له لبنان والشرق الأوسط، تنشغل ماكينة «التطهير» الإسرائيلية داخل منطقة «الخط الأصفر»، لمحو أي أثر بشري أو عمراني وتحويل الجنوب «منطقة عازلة صلبة» تفرغها من سكانها تحت حجة حماية جنودها، ما يجعل أي انسحاب لاحق مجرد انسحاب من «أرض محروقة» لا تصلح للحياة.

 ​هنا تبرز النقطة الأكثر خبثاً في الحسابات الإسرائيلية. فاشتراط «نزع سلاح الحزب» كبند إلزامي للانسحاب هو «كلمة حق يُراد بها احتلال باطل». فالإسرائيليون يدركون تماماً أنّ الدولة اللبنانية، بتركيبتها الحالية وموازين قواها، غير قادرة وربما غير راغبة في تنفيذ نزع السلاح بالقوة.

 و​هذا العجز الرسمي هو «الذريعة الذهبية» التي ينتظرها نتنياهو. فعدم تحقق الشرط يعني بقاء الجيش الإسرائيلي، وربما توسع سيطرته. بل إنّ مصلحة إسرائيل الاستراتيجية قد تكمن اليوم في بقاء سلاح «الحزب» «شكلياً» وفي حال من الضعف الشديد، لضمان استمرارية الذريعة الأمنية التي تبرر «النهش» المستمر في الجسد اللبناني، ومنع الدولة من بسط سلطتها الفعلية. وهذه مفارقة خطيرة: «حزب الله» لن يعترف بأي شكل بأنّه قد بات منزوع السلاح، ولو أنّه صار فعلاً كذلك. وإسرائيل من جهتها «ستوافق» على هذه «المسلّمة»، لأنّها الوصفة المثالية لاستمرار سيطرتها وتمدّدها في لبنان.

 ​لذلك، يدخل لبنان أسابيع الهدنة الثلاثة وهو مثقل بالأسئلة الكبرى: ما هو الثمن الذي سيُطلب منه على طاولة ترامب مقابل انسحاب إسرائيل من «خطها الأصفر»؟ وكيف سيؤمّن لبنان خروج جيش لا يريد أن ينسحب على ما يبدو، وهو لذلك لا يتوقف عن محو المعالم؟

 ​الحقيقة المرّة، هي أنّ لبنان الرسمي يراهن مجدداً على «وقت مستقطع»، هدنة تلو أخرى، بينما تراهن إسرائيل على «تغيير قواعد اللعبة». فالهروب من مواجهة استحقاق السلاح داخلياً، والهروب من استحقاق المفاوضات خارجياً، سيجعل من «الهدنة» مجرد جسر عبور نحو خسارة ربما تكون طويلة الأمد أو دائمة للجنوب. وحتى الآن لا مخارج ظاهرة للأزمة. فهل تشكّل «المظلّة السعودية» التي دخلت أخيراً على الخط شبكة أمان للبنان، وللرئيس عون إذا ما قرّر الذهاب إلى واشنطن، أم إن الزلزال الداخلي آتٍ، وسيكون أكبر من أي محاولة احتواء عربية؟