من يقول لا لـ "حزب الله"؟
كتب نجم الهاشم في "نداء الوطن":
كثيرون يعتبرون أن ما قام به "حزب الله" منذ تأسيسه شكّل خطرًا على لبنان ودمّر ماضيه وحاضره ويكاد يدمّر مستقبله. كثيرون كانوا مع "الحزب" عن قناعة أو عن عمالة أو عن مصلحة، وكثيرون تركوه وانفضوا من حوله. ولكن كل ذلك لا يكفي. مع استمرار "الحزب" التابع لولاية الفقيه في مساره التدميري، لا يكفي الاعتراض بالكلام، بل من الواجب تحدّيه والوقوف في وجهه والقول له "لا". من الواجب التحرّر من عامل الخوف الذي زرعه في نفوس كثيرين، وقلْب المعادلة من الخوف منه إلى تخويفه.
ليس دقيقًا القول إن "حزب الله" تأسّس عام 1982. في الواقع كان موجودًا قبل قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وعودة الإمام الخميني إلى طهران في أول شباط 1979. فهو لم يولد من فراغ، ولم يبدأ مع بداية نظام ولاية الفقيه، بل كانت نواته موجودة في أفكار رجال دين كثيرين انتظموا في تنظيمات منكفئة أو أخرى معلنة. وخير دليل على ذلك أن كثيرين من الشيعة اللبنانيين كانوا من بين القريبين من الإمام الخميني ومن الفكر الديني الذي عبّر عنه وقاده، ومن الإطار التنظيمي الذي رافق عودته إلى إيران.
"أمل" والدرس الأول
قبل أن تتبنى إيران إطلاق ما سيصبح لاحقًا "حزب الله" حاول النظام الجديد أن يستوعب حركة "أمل" التي كان أطلقها الإمام موسى الصدر. كانت لا تزال الحركة برئاسة النائب حسين الحسيني عندما دُعي مع قيادات معه لزيارة طهران والبحث في مسألة تبعية الحركة للنظام الإسلامي الجديد. ومع رفض هذه التبعية بدأت عملية إطلاق التنظيم الجديد من رحم حركة "أمل" عبر الانشقاق الأول فيها وقيام ما سمي "حركة أمل الإسلامية". هذا المسار الذي بدأ بعد أقلّ من عام على إخفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا طرح علامات شكّ حول علاقة النظام الجديد في إيران بالتخلّص من رجل الدين الشيعي اللبناني الأبرز وقتها الذي أتى من إيران ومرّ في النجف في العراق ووصل إلى لبنان ليطلق أوّل هيئة دينية شيعية خاصة بالطائفة في العالم العربي والإسلامي أي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بعدما كانت أمور الشيعة ملحقة بدوائر تتبع دار الفتوى في لبنان وبعدما كان الفقه الشيعي والمذهب الشيعي ممنوعين في دول عربية وإسلامية كثيرة، ولا يزالان.
العنف من البداية
الحزب بتسمياته الأولى بدأ مساره العنفي بعمليات انتحارية هدفت إلى تأكيد وجوده وتوجّهاته وفكره وتبعيته لزرع الرعب في قلوب من يفكر في معارضته وقد نجح في هذه الاستراتيجية. هناك شكوك كثيرة في أن يكون ما يعرف بـ "حزب الله" اليوم هو الذي نفذ منفردًا تلك العمليات، من عملية تفجير مقر الحاكم العسكري في صور في 11 تشرين الثاني 1982، إلى تفجير السفارة الأميركية في عين المريسة في 18 نيسان 1983 ومقري المارينز والمظليين الفرنسيين في 23 تشرين الأول من العام نفسه، وتفجير السفارة الأميركية بعد انتقالها إلى عوكر في 20 أيلول 1984.
صحيح أن كل هذه العمليات بحسب ما توفر لاحقًا من معطيات نفذها انتحاريون جندهم "حزب الله" من دون معرفة هوية أي منهم باستثناء أحمد قصير في عملية صور، ولكن حتى تلك المرحلة لم يكن "الحزب" قد امتلك بصفته الخاصة كل العدّة اللوجستية والأمنية التي تؤهّله ليكون مستقلًّا بشكل كامل في التخطيط والتنفيذ والملاحقة. فقد استفاد من تبعية اسماء ومجموعات لتنظيمات فلسطينية أو لأجهزة استخبارات سورية أو سوفياتية أو ألمانية شرقية، ومن خبراتها ومعلوماتها وأسلحتها ومتفجراتها وتقنياتها قبل أن تصير منتظمة فيه وتشكل ما صار يعرف بالقيادات الأولى التي شكّلت قوة "الحزب" لاحقًا. والدليل على ذلك أن هذه الإمكانات كانت متوفرة بطريقة مماثلة لقوى أخرى كالحزب "السوري القومي الإجتماعي" أو الحزب "الشيوعي" حيث أن أفرادًا منهما نفذوا عمليات انتحارية ضد الجيش الإسرائيلي ونفذوا عمليات اغتيال ضدّ قادة معارضين.
السيطرة على الشيعة أولًا
نسبة كل هذه العمليات إلى "الحزب" أعطته هالة قوة وأرعبت معارضيه وخصومه. بالإضافة إلى عمليات التفجير تولّى "الحزب" عمليات خطف الطائرات والأجانب الأميركيين والألمان والفرنسيين والبريطانيين بهدف إذلال الغرب ودفع كل هذه الدول إلى الخروج من لبنان ومنطقة الشرق الأوسط لسبب جوهري وهو أنه من خلال استراتيجية تصدير الثورة الإسلامية كان يعتبر أن النفوذ الغربي هو العائق الأكبر أمام إخضاع دول المنطقة وشعوبها.
الجبهة الأولى التي فتحها "الحزب" بعد الإعلان عن نفسه في الرسالة المفتوحة في 16 شباط 1985 كانت داخل الطائفة الشيعية في الحرب التي شنها ضد حركة "أمل". "الحزب" الذي لم يوفر في القتال والتصفيات إخوته في الدين والبيئة والقرى والعائلات نفسها، أراد أن يكون هذا الفعل درسًا لا يمكن أن تنساه "أمل" ورئيسها نبيه بري لأنها رفضت منذ البداية أن تكون هي "حزب الله"، وأراد أيضًا أن يكون هذا الدرس عبرة للآخرين على قاعدة أنه إذا كان "الحزب" تصرّف بهذه الطريقة مع "الإخوة" فكيف يمكن أن يتصرّف مع الآخرين.
الحزب الحاكم بأمر الله
هذا الإرعاب الذي اعتمده في عمله الأمني والعسكري والسياسي أراد أن يطبّقه على الجميع ليطبِق من خلاله على سلطة القرار في لبنان وقد استفاد من الرعاية الإيرانية للنظام السوري الذي أمّن له السيطرة على الدولة اللبنانية. هكذا بين العام 1991 والعام 2005 كان "الحزب" قد أصبح القوة المسلّحة الأكبر والوحيدة في لبنان خارج إطار الشرعية إلى الحدّ الذي بات يعتبر نفسه فيه أنه هو الشرعية وأن الجيش وقوى الأمن مجرّد مديريات تابعة له، وأنه هو من يعيّن رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب ويسمّي النواب والوزراء والقضاة وقائد الجيش، ويجري التشكيلات الأمنية والعسكرية والقضائية، ويسمّي المحافظين ورؤساء البلديات، ويعيّن الموظفين ويحدّد سياسة لبنان الخارجية ويتحكّم بالتوازنات الداخلية. ولذلك صار الحزب يعتبر أنه الحاكم الذي لا ردّ لحكمه وأنّ كل من يعارضه أو يطلب نزع سلاحه خائن وعميل يستحق قطع الرأس والتصفية. وهكذا عندما وجد أن اللعبة قد تفلتُ من يده عام 2004 بعد صدور القرار 1559 الذي طلب سحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاحه، بادر إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعدما اعتبر أنه مسؤول عن هذا القرار ومتآمر مع الرئيسين الفرنسي والأميركي جاك شيراك وجورج دبليو بوش اللذين اتفقا على هذا القرار في النورماندي في حزيران 2004.
على رغم ثورة 14 آذار والتحوّل الشعبي الكبير على مستوى الناس والطوائف والقيادات الرافض لسيطرة "الحزب" على السلطة ولاستمرار بقاء جيش النظام السوري في لبنان، وعلى رغم خضوع بشار الأسد للتهديد الدولي وسحب جيشه في نيسان 2005، استمرّ "الحزب" في رفض التنازل وبالتالي تصفية المعارضين له. كما سار مئات الألوف في تشييع الرئيس رفيق الحريري، سارت ألوف أخرى في تشييع قادة قوى 14 آذار الذين اتهم "حزب الله" باغتيالهم. بعد كل تشييع كان يبدأ انتظار التشييع التالي. سقط المعارضون لـ "الحزب" في هذه اللعبة التي استساغها واستمرّ بها وهو يدرك أن المعارضة الخالية من أيّ رد فعل مماثل تخدمه وتخدم استراتيجيته في تصفية خصومه من دون أيّ رادع. وكان يستفيد من المنظومة التي بناها على مستوى السلطات الأمنية والقضائية بحيث باتت عمليات الاغتيال التي ينفذها وكأنها أحكام قضائية صادرة عن سلطات شرعية لا محاسبة عليها بل تأييد وترحيب، وبالتالي لا تستوجب أيّ اتهام أو أيّ ملف قضائي. ما لم يكتسبه "الحزب" من خلال إرهاب من يفكّر بمعارضته، اكتسبه من خلال الحروب التي انخرط فيها، من حرب تموز 2006، إلى نظريات توازن الرعب مع إسرائيل، إلى جبهات الحرب في سوريا دعمًا لنظام كان يتهاوى للحفاظ على الطريق المفتوح بين بيروت وطهران عبر سوريا والعراق.
دعمًا للسلطة ضد "الحزب"
ثمة سلطة اليوم في لبنان لا تؤيّد "الحزب" وتحاول أن تتحرّر من سيطرته وتكسر القاعدة التي أرساها منذ بداياته. هذه الإرادة بالتغيير لا يمكن أن تبقى حكرًا على الحكم وعلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والحكومة. بل يجب أن تتخطاهم إلى مستوى القيادات السياسية التي عليها أن تجاهر أكثر في التصدي لـ "الحزب" وأن لا تكتفي بالبكاء والاستنكار وتشييع الضحايا بينما "الحزب" يستمرّ في حروبه التي تزيد من دمار لبنان واللبنانيين وتستدرج إسرائيل نحو احتلال المزيد من الأراضي اللبنانية وتدمير البنى القرى.
علي أكبر ولايتي أعلن مسؤولية إيران عن اغتيال رفيق الحريري في تهديده لرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. منذ 1982 يغتال "الحزب" ويقتل ولا أحد يقول له لا، ولا يحاكَم ولا تلاحقه الدولة بل هو يحاكِم ويلاحِق.
لا يمكن الاكتفاء بالتفرج على الحكم والحكومة في مواجهة تسلّط "الحزب". ولا يجب الاكتفاء بالمعارضة الكلامية وتسجيل المواقف التي يستمر بعضها في مراعاة "الحزب" ودوره خوفًا من الاصطدام معه. المطلوب تحويل هذه المواقف إلى أفعال لأن استمرار "الحزب" في تسلّطه على السلطة يدمّر لبنان بحيث لا يعود ينفع معه البكاء. المطلوب عملية إنقاذ بلد من تحت الأنقاض وليس التفرج على عمليات التدمير وتعداد الضحايا. ربّما المطلوب أن يبدأ تحرير القرار الشيعي من عند الرئيس نبيه بري إذا كان لا يزال عنده بعض القوة والإرادة. كما كانت من هناك بداية تلقين الآخرين دروس الطاعة فقد تكون من هناك أيضا بداية التمرد والخروج من تحت السيطرة. المطلوب ثورة ثانية والعودة إلى الشارع. ثورة تستعيد نبض 14 آذار وروح 17 تشرين من أجل تحرير لبنان واستعادة الدولة والقرار والسيادة وحتى تكون هذه الحرب آخر الحروب وبداية لسلام حقيقي ومستمر.


