الخليج بعد الحرب: توازن بلا ضمانات في شرق أوسط يتغيّر

أبريل 20, 2026 - 19:00
 0
 الخليج بعد الحرب: توازن بلا ضمانات في شرق أوسط يتغيّر

كتب باسم الموسوي:
ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بما تخلّفه من تحوّلات في إدراك الفاعلين لمواقعهم وحدودهم. في هذا المعنى، تبدو الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لحظة كاشفة أكثر منها حاسمة. فهي لم تُنتج نظامًا جديدًا بقدر ما أزاحت الستار عن واقع كان يتشكل تدريجيًا: واقع إقليمي تتآكل فيه اليقينيات القديمة دون أن تتبلور بدائل مستقرة.


من زاوية دول الخليج، لا يمكن قراءة هذه الحرب باعتبارها حدثًا خارجيًا، بل كاختبار مباشر لموقعها في معادلة القوة. فهذه الدول وجدت نفسها في قلب المواجهة دون أن تكون طرفًا مقرِّرًا فيها. تعرّضت أراضيها لضربات، وتحوّلت بنيتها التحتية إلى ساحة ضغط، وأصبح أمنها مرتبطًا بإيقاع عمليات لم تتحكم في مسارها. ومع ذلك، لم تنخرط في الحرب كطرف معلن، بل اعتمدت مقاربة حذرة، توازن بين مقتضيات الواقع الأمني وحدود القدرة على التصعيد.


هذا السلوك لم يكن مجرد اختيار تكتيكي، بل تعبير عن بنية أعمق في التفكير الاستراتيجي الخليجي. فمن جهة، هناك ارتباط تاريخي بالولايات المتحدة بوصفها الضامن الأساسي للأمن. ومن جهة أخرى، هناك إدراك متزايد بأن هذا الضمان لم يعد يعمل بالفعالية نفسها. الحرب أظهرت بوضوح أن القدرة الأمريكية على الردع أو الحسم ليست مطلقة، وأن إدارة الصراع قد تنتهي إلى تسويات لا تعالج مصادر التهديد بشكل جذري. هذا الإدراك لا يعني القطيعة مع واشنطن، لكنه يفرض إعادة تعريف العلاقة معها ضمن حدود أكثر واقعية.


في هذا السياق، يبرز عنصر “التحوّط” بوصفه الإطار الحاكم لسلوك دول الخليج. فالرهان لم يعد على تحالف واحد، بل على شبكة علاقات متعددة، تشمل قوى دولية صاعدة وشركاء إقليميين، بالتوازي مع الاستثمار في القدرات الذاتية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي. غير أن هذا التحوّط لا يُفهم كبديل كامل، بل كآلية لإدارة المخاطر في بيئة تتسم بعدم اليقين.


الحرب كشفت أيضًا أن دول الخليج ليست كتلة متجانسة، بل فضاء متنوع في حساباته ومقارباته. فبين من حافظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، ومن اتخذ مواقف أكثر حدّة، ومن حاول الجمع بين الدعم العسكري والوساطة السياسية، برزت اختلافات حقيقية في تقدير المخاطر وفي تعريف المصلحة الوطنية. هذه التباينات لم تكن جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا تحت ضغط الحرب، ما يطرح تحديات إضافية أمام أي محاولة لبناء موقف إقليمي موحّد.


في المقابل، أظهرت مجريات الصراع أن الخيارات المتاحة أمام دول الخليج تبقى محدودة. فالقوى الدولية الأخرى، رغم حضورها السياسي والاقتصادي، لا تملك القدرة أو الرغبة في لعب دور أمني مماثل للدور الأمريكي. كما أن الاعتماد الكامل على القدرات الذاتية لا يزال بعيد المنال في مواجهة تحديات بهذا الحجم. أما الرهان على ترتيبات إقليمية بديلة، فيصطدم بتعقيدات سياسية وأمنية تجعل تحقيقه أمرًا بالغ الصعوبة. بذلك، تبدو المنطقة أمام مفارقة واضحة: الحاجة إلى ضمانات قوية تقابلها ندرة في الخيارات القادرة على توفيرها.


إلى جانب ذلك، أعادت الحرب تسليط الضوء على البعد الجغرافي للأمن في الخليج. فالممرات البحرية، التي كانت تُعدّ عنصرًا في استقرار الاقتصاد العالمي، تحوّلت إلى نقاط حساسة يمكن أن تؤثر مباشرة في تدفق الطاقة والتجارة. ومع أن النقاش حول إيجاد مسارات بديلة ليس جديدًا، إلا أن الحرب أعطته زخمًا إضافيًا، في ظل إدراك أن الاعتماد على مسارات محدودة يخلق هشاشة هيكلية يصعب تجاوزها بسرعة. ومع ذلك، فإن البدائل المطروحة، كخطوط الأنابيب البرية، تظل حلولًا جزئية، لا تلغي المخاطر بقدر ما تعيد توزيعها.


الأهم من ذلك كله أن الحرب لم تُفضِ إلى حسم واضح، بل إلى حالة من التعليق الاستراتيجي. فوقف إطلاق النار، وإن أوقف العمليات المباشرة، لم يقدّم إجابات نهائية عن القضايا التي أدت إلى اندلاعها. هذا الوضع يترك المنطقة في حالة ترقّب، حيث يبقى احتمال عودة التصعيد قائمًا، وتظل الحسابات مفتوحة على سيناريوهات متعددة.


في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن دول الخليج دخلت مرحلة جديدة في تعريف أمنها. مرحلة لا تقوم على اليقين، بل على إدارة مستمرة للمخاطر، وعلى موازنة دقيقة بين الاعتماد الخارجي وتعزيز القدرات الذاتية، وبين الانخراط في التحالفات والحفاظ على هامش من الاستقلالية. إنها مرحلة لا تُحسم فيها الخيارات مرة واحدة، بل تُعاد صياغتها باستمرار وفق تطورات البيئة الإقليمية والدولية.


هكذا، لا تنتهي أهمية هذه الحرب عند حدودها الزمنية، بل تمتد إلى ما بعدها، حيث تعيد تشكيل تصورات الفاعلين عن أنفسهم وعن الآخرين. وفي قلب هذه العملية، تقف دول الخليج أمام تحدٍ مزدوج: كيف تحافظ على استقرارها في بيئة متحركة، وكيف تعيد تعريف موقعها في نظام إقليمي لم يعد كما كان.