الأربعاء الأسود ينسف "أمان" بيروت… والتعليم في لبنان بين خيارين كلاهما كارثي!
قرار مصيري يواجه التعليم في لبنان بين فتح المدارس أو إقفالها، في ظل النزوح وتصاعد القصف واستهداف بيروت، ما يعمّق أزمة العدالة التربوية ويضع الطلاب أمام مستقبل ضبابي.
قرار استئناف التعليم في لبنان و فتح المدارس في ظل الحرب والنزوح يكرّس تفاوتاً صارخاً بين الطلاب، إذ إن آلافاً منهم فقدوا منازلهم أو يعيشون بعيداً عن مدارسهم، فيما يواصل آخرون تعليمهم بشكل شبه طبيعي. أما إبقاء المدارس مقفلة، فيحرم طلاباً كثر من حقهم الأساسي في التعلم. وبين هذين الخيارين، تقف الدولة أمام معادلة معقدة لا تحقق عدالة كاملة لأي طرف.
وجاء استهداف بيروت في ما بات يُعرف بـ"الأربعاء الأسود" ليقلب المشهد أكثر، إذ لم تعد العاصمة تُعدّ مساحة آمنة كما كان يُعتقد سابقاً، بل دخلت بدورها في دائرة الخطر المباشر. هذا التطور جعل مسألة التنقل اليومي، ولا سيما تسيير الباصات المدرسية، مهمة محفوفة بالمخاطر، وألقى على إدارات المدارس مسؤولية ثقيلة في اتخاذ قرار فتح الصفوف حضورياً، في ظل تهديد لا يمكن التنبؤ به.
وقد زادت الأزمة تعقيداً مع موجات النزوح التي أعقبت التصعيد العسكري، حيث تحولت المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، بعدما امتلأت الطرقات بعائلات تبحث عن ملاذ آمن. هذا التحول جعل آلاف الطلاب، وخصوصاً من الطبقات الأكثر هشاشة، خارج العملية التعليمية، في وقت بقيت فيه المدارس الخاصة بمنأى عن هذا الواقع، ما عمّق الفجوة الاجتماعية والتربوية.
في البداية، بدا أن قرار إقفال المؤسسات التعليمية يشمل الجميع، لكن سرعان ما تغيّر المشهد مع إصرار المدارس الخاصة على استئناف التعليم، مدفوعة باعتبارات مالية وتعليمية. في المقابل، طالبت جهات تربوية رسمية بالإبقاء على الإقفال، مستندة إلى تجارب سابقة، مثل التعليم عن بُعد خلال جائحة كورونا، الذي لم يكن متاحاً للجميع بسبب ضعف الإمكانيات التقنية.
ومع اجراء حلول بديلة، كالتعليم المدمج أو تقسيم المدارس بين التعليم والإيواء، بقيت التحديات كبيرة، خاصة في ظل غياب الاستقرار الأمني ونقص الموارد. كما أن الجانب النفسي للأطفال النازحين يضيف بعداً أكثر قسوة، إذ يصعب على من فقد بيته أو يعيش تحت التهديد اليومي أن ينخرط في بيئة تعليمية طبيعية.
وفي ظل هذه الظروف، حاولت وزارة التربية اعتماد مقاربة مرنة، تتيح لكل مؤسسة اتخاذ القرار الأنسب وفق واقعها، بين التعليم الحضوري أو عن بُعد أو المدمج. إلا أن هذه المرونة، رغم أهميتها، لا تخفي حقيقة أساسية: أن تحقيق عدالة تعليمية في بلد يعيش حرباً ونزوحاً واسعاً، يبدو هدفاً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً في المرحلة الراهن
تطرح مفاوضات تحييد بيروت نفسها كنافذة أمل محتملة لإعادة جزء من الاستقرار، ما قد يفتح الباب أمام استئناف التعليم، ولو بشكل جزئي. فإذا نجحت هذه المساعي في تخفيف وتيرة الاستهداف، قد تستعيد بعض المدارس قدرتها على العمل الحضوري، وتعود الحياة التعليمية تدريجياً في العاصمة والمناطق المحيطة بها.
لكن هذا الأمل لا يخلو من إشكاليات عميقة. فحتى في حال تحييد بيروت نسبياً، تبقى مناطق واسعة من لبنان، خصوصاً الجنوب والبقاع وأطراف الضاحية، خارج دائرة الأمان، ما يعني أن استئناف التعليم لن يكون شاملاً ولا متساوياً. وهنا يبرز خطر تكريس واقع تعليمي مزدوج: طلاب قادرون على متابعة دراستهم بشكل شبه طبيعي، مقابل آخرين محرومين أو مضطرين للاكتفاء بحلول غير مكتملة كالتعليم عن بُعد.


