المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية تمهيدية… والتمثيل الأعلى رهن النجاح
كتب سعد شعنين في "ام تي في":
لا تبدو مفاوضات اليوم بين لبنان وإسرائيل مرشّحة لإنتاج اختراق نهائي أو تسوية شاملة بحد ذاتها، بقدر ما يُنظر إليها على أنها الجولة التمهيدية الأولى في مسار تفاوضي أوسع وأكثر تعقيداً قد يمتد لأشهر، ويتدرّج لاحقاً نحو مستويات تمثيل أعلى إذا نجحت المرحلة الأولية في تثبيت أرضية مشتركة بين الطرفين وإثبات جدواها السياسية والعملية.
فطبيعة الملفات المطروحة من الترتيبات الأمنية والحدودية إلى آليات تنفيذ أي تفاهمات محتملة تفوق قدرة جلسة واحدة أو اجتماع تقني محدود على حسمها. لذلك يُرجَّح أن يقتصر اجتماع اليوم على اختبار النيات، وتحديد الإطار العام للمفاوضات، وتثبيت قواعد وآليات العمل، تمهيداً لانتقال لاحق إلى جولات أكثر جدية وذات طابع سياسي أو أمني أرفع مستوى.
هذا المسار التدريجي ليس استثنائياً في النزاعات المعقدة، بل يعكس إدراك الوسطاء أن القضايا الحساسة لا تُحل دفعة واحدة، بل عبر مفاوضات متدرجة تبدأ تقنياً ثم ترتقي سياسياً كلما نضجت التفاهمات. ومن هنا، فإن أهمية جلسة اليوم لا تكمن في ما قد تنتجه فوراً، بل في قدرتها على إطلاق مسار تفاوضي مستدام وعدم انهياره منذ بدايته.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن مستوى التمثيل سيتطور سريعاً إلى مستوى سياسي رفيع، إذ إن أي رفع له سيبقى مرتبطاً أولاً بمدى نجاح المرحلة التمهيدية في تحقيق الحد الأدنى من التقدم. فاللقاءات الأولية ذات الطابع التقني أو الأمني لا تهدف إلى حسم الملفات الكبرى، بل تشكّل مرحلة اختبار لجدية الطرفين، ولقدرة الوسطاء على تحويل التواصل الأولي إلى عملية تفاوضية قابلة للاستمرار.
ففي هذا النوع من المسارات، لا يُرفع مستوى التمثيل إلا عندما يثبت التفاوض أنه تجاوز مرحلة جسّ النبض السياسي، وأن هناك بالفعل نقاطاً قابلة للبناء عليها تسمح بالانتقال من إدارة الحوار إلى مناقشة القرارات. ورفع مستوى التمثيل في هذه الحالة لا يكون خطوة بروتوكولية، بل مؤشراً على أن المفاوضات دخلت مرحلة أكثر نضجاً وجدية.
أما في الحالة اللبنانية، فتتضاعف أهمية هذا التدرّج نظراً إلى الحساسية السياسية الداخلية التي تحيط بأي تفاوض مع إسرائيل، ما يجعل من الصعب الانتقال المبكر إلى مستويات رسمية أو سياسية أعلى قبل ظهور نتائج ملموسة تبرّر ذلك. فالتسرّع في رفع مستوى التمثيل من دون مؤشرات نجاح واضحة قد يعرّض المسار لانتقادات داخلية واسعة ويضعف الغطاء السياسي له قبل أن ينضج.
كذلك، فإن الجانب الإسرائيلي والوسطاء الدوليين يدركون أن الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً لن يكون ممكناً ما لم تثبت المرحلة الحالية أن الطرفين قادران على التفاهم على الحد الأدنى من المبادئ وآليات العمل. لذلك تبدو الجولة التمهيدية الحالية بمثابة اختبار تأسيسي حاسم: نجاحها يفتح الباب أمام مفاوضات أرفع مستوى وأكثر جدية، وفشلها يعيد المسار إلى نقطة الصفر.
وعليه، ينبغي النظر إلى مفاوضات اليوم لا بوصفها محطة حسم، بل بوصفها اختبار انطلاق لمسار طويل.
فما يجري الآن هو رسم لهيكل المفاوضات المقبلة أكثر منه تفاوضاً على النتائج النهائية، فيما سيبقى رفع مستوى التمثيل مرهوناً بمدى قدرة المرحلة التمهيدية على إثبات أن هذا المسار يستحق أن ينتقل إلى مرحلة أعلى.


