من الظل إلى الواجهة: اية الله اعرافي في قلب المشهد الإيراني مع غياب مجتبى خامنئي !
في ظل الغموض حول الحالة الصحية لـ مجتبى خامنئي، يبرز اسم آية الله علي رضا أعرافي داخل مجلس القيادة المؤقت بوصفه أحد أبرز الفاعلين في إدارة المرحلة الانتقالية في إيران.
في لحظة سياسية دقيقة تعيشها إيران، يتقدّم الغموض على ما عداه. فالتكتم الرسمي حول الحالة الصحية لـ مجتبى خامنئي، والذي وُصف وفق تسريبات نقلتها وكالة فرانس برس بأنه لا يزال في وضع "حرج نسبيًا"، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول من يدير فعليًا مفاصل القرار في هذه المرحلة. وبينما تلتزم طهران الصمت أو تكتفي بإشارات مقتضبة، يبدو أن هذا الغموض ليس عارضًا، بل جزء من إدارة واعية لمعركة موازية، حيث تتحول السرية إلى أداة سياسية لحماية تماسك الداخل ومنع الخصوم من استثمار أي فراغ في القيادة.
في هذا السياق، جاء إعلان تشكيل مجلس القيادة المؤقت ليملأ الفراغ الظاهر، حيث ضمّ كلاً من مسعود بزشكيان وغلامحسين محسني إيجئي إلى جانب آية الله علي رضا أعرافي بوصفه العضو الفقيه. غير أن قراءة متأنية لبنية النظام الإيراني تشير إلى أن الأدوار لا تُقاس بالألقاب فقط، بل بمواقع النفوذ الفعلية، وهنا تحديدًا يبرز اسم أعرافي بوصفه الشخصية الأكثر قدرة على الإمساك بخيوط المرحلة، مستندًا إلى تراكم طويل من العمل الحوزوي والمؤسساتي.
وُلد أعرافي عام 1959 في مدينة ميبد بمحافظة يزد، ونشأ في بيئة دينية قبل أن ينتقل إلى قم، حيث تدرّج في الحوزة العلمية حتى بلغ مرحلة البحث الخارج، وهي أعلى درجات التكوين الفقهي. غير أن مسيرته لم تتوقف عند حدود الدرس الديني التقليدي، بل انفتحت على الفكر المعاصر، مع إتقانه للغتين العربية والإنجليزية، ما منحه قدرة على مخاطبة فضاءات أوسع من الإطار المحلي.
تجلّى حضوره المؤسسي بوضوح حين تولّى رئاسة جامعة المصطفى العالمية عام 2008، حيث أشرف على توسعها الدولي وتحويلها إلى منصة تعليمية عابرة للحدود، قبل أن يُنتخب عام 2016 مديرًا للحوزات العلمية في إيران، وهو موقع يضعه في قلب عملية صناعة القرار الديني والتعليمي. ومن خلال هذا الدور، بات مسؤولًا عن رسم السياسات العامة للحوزات والإشراف على بنيتها التنظيمية، بما يعزز موقعه كلاعب محوري في العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة.
لم يقتصر نفوذ أعرافي على الحقل الديني، بل امتد إلى البنية الدستورية للنظام، حيث عُيّن عضوًا فقيهًا في مجلس صيانة الدستور عام 2019، وانتُخب ممثلًا عن طهران في مجلس خبراء القيادة، إلى جانب عضويته في المجلس الأعلى للثورة الثقافية. هذا التداخل بين الديني والسياسي والثقافي يمنحه موقعًا فريدًا، يجعله قادرًا على التأثير في أكثر من مستوى داخل النظام الإيراني.
في خطابه الفكري، يتبنّى أعرافي رؤية تقوم على ما يسميه "المواجهة الحضارية" مع الغرب، معتبرًا أن الصراع يتجاوز السياسة إلى عمق الثقافة والهوية. وهو ينتقد بشدة ما يصفه بالتشويه المتعمد لصورة الإسلام في الإعلام والفكر الغربيين، ويرى أن الحوزات العلمية مطالبة بلعب دور أساسي في إعادة تقديم الإسلام عالميًا، من خلال تطوير أدوات البحث والتعليم وتعزيز الاستقلال الثقافي.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن صعود أعرافي داخل مجلس القيادة المؤقت يتجاوز كونه تمثيلًا فقهيًا شكليًا، ليعكس حضورًا فعليًا في إدارة المرحلة، خاصة مع الغياب أو التراجع المؤقت لدور مجتبى خامنئي بسبب وضعه الصحي. ومع أن النظام الإيراني بطبيعته يقوم على توازنات معقدة ولا يُختزل بشخص واحد، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن أعرافي يملأ تدريجيًا مساحة الفراغ، مستفيدًا من شرعية دينية راسخة وشبكة مؤسساتية واسعة.
في المحصلة، تعيش إيران مرحلة انتقالية تُدار بصمت، حيث تتداخل الحرب العسكرية مع حرب المعلومات، وتُستخدم السرية كجزء من أدوات الصراع. وبين ما يُعلن وما يُخفى، يتشكل واقع جديد، قد لا تكون ملامحه واضحة بالكامل بعد، لكن المؤكد أن شخصيات مثل أعرافي باتت في موقع متقدم داخل معادلة الحكم، سواء أُعلن ذلك صراحة أم بقي في إطار الظل.


