لُبْنانُ في مَعَادِلاتِ التَّفاوُضِ الإِقْلِيمِيِّ: تَوْظِيفُ الجَبْهَةِ، وحُدودُ المُقايَضَةِ، وآفاقُ سِلاحِ الحِزْبِ

أبريل 9, 2026 - 13:09
 0
لُبْنانُ في مَعَادِلاتِ التَّفاوُضِ الإِقْلِيمِيِّ: تَوْظِيفُ الجَبْهَةِ، وحُدودُ المُقايَضَةِ، وآفاقُ سِلاحِ الحِزْبِ

 كتب جميل معلّم:

تَتَبَدَّى في المَشْهَدِ الرَّاهِنِ مَلامِحُ تَداخُلٍ مُعَقَّدٍ بَيْنَ المَيْدانِ والسِّياسَةِ، بِحَيْثُ يَصْعُبُ فَصْلُ وَتيرَةِ التَّصْعيدِ العَسْكَرِيِّ على الجَبْهَةِ اللُّبْنانِيَّةِ عَنِ السِّياقاتِ التَّفاوُضِيَّةِ الأَوْسَعِ في الإِقْلِيمِ. وفي هذا الإِطارِ، يَبْرُزُ افْتِراضٌ تَحْلِيلِيٌّ مُفادُهُ أَنَّ لُبْنانَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ ساحَةِ اشْتِباكٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلى ساحَةِ ضَغْطٍ وَتَحْكُّمٍ في مَساراتِ التَّفاوُضِ، تَتَقاطَعُ فيها مَصالِحُ قُوًى إِقْلِيمِيَّةٍ ودَوْلِيَّةٍ، وفي مُقَدِّمِها إِيرانُ والولاياتُ المُتَّحِدَةُ، مَعَ حِساباتٍ أَمْنِيَّةٍ إِسْرائِيلِيَّةٍ حادَّةٍ.

مِنْ هذا المَنْظُورِ، لا يَبْدو التَّصْعيدُ الإِسْرائِيلِيُّ المُتَواصِلُ، ولا سِيَّما ذلِكَ الَّذي تَلا إِعْلانَ الهُدْنَةِ، مُجَرَّدَ رَدٍّ مَيْدانِيٍّ آنِيٍّ، بَلْ يَحْمِلُ دَلالاتٍ سِياسِيَّةً أَعْمَقَ تَتَّصِلُ بِمَوْقِعِ إِسْرائِيلَ مِنَ المَسارِ التَّفاوُضِيِّ الجارِي. فَتَكْثيفُ الضَّرَباتِ، وِفْقَ هذا التَّصَوُّرِ، يُمْكِنُ قِراءَتُهُ كإِشارَةِ اعْتِراضٍ ضِمْنِيٍّ على مَسارِ تَفاوُضٍ لا تَكُونُ فيه طَرَفًا مُباشِرًا، أَوْ لا تَمْلِكُ فيه القُدْرَةَ الكامِلَةَ على فَرْضِ شُروطِها.

وعَلَيْهِ، يَغْدو التَّصْعيدُ الَّذي سَبَقَ مَوْعِدَ تَثْبيتِ وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ، ولا سِيَّما قُبَيْلَ المَواعيدِ المُرْتَبِطَةِ بِانْطِلاقِ جَوْلاتِ التَّفاوُضِ في إِسْلامِ آباد، مَحْمُولًا على مَنْطِقِ «فَرْضِ الوَقائِعِ قَبْلَ التَّفاهُماتِ». فَإِسْرائِيلُ، في هذا الإِطارِ، تَسْعى إِلى تَحْقيقِ أَقْصى قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَسائِرِ في بِنْيَةِ «حِزْبِ اللهِ» وقاعِدَتِهِ، بِما يُعَزِّزُ مَوْقِعَها، سَواءٌ أَكانَ ذلِكَ تَمْهِيدًا لِفَرْضِ شُروطٍ غَيْرِ مُباشِرَةٍ، أَمْ لِضَمانِ أَلّا تَخْرُجَ أَيُّ تَسْوِيَةٍ نِهائِيَّةٍ عَنْ إِطارِ مَصالِحِها الأَمْنِيَّةِ.

في المُقابِلِ، لا يُمْكِنُ فَهْمُ المَوْقِفِ الإِيرانِيِّ بِمَنْأًى عَنْ هذِهِ المُعادَلَةِ. فَطَهْرانُ لا تَمْلِكُ رَفاهِيَةَ تَرْكِ الجَبْهَةِ اللُّبْنانِيَّةِ لِلاسْتِفْرادِ الإِسْرائِيلِيِّ، لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذلِكَ مِنْ تَداعِياتٍ على صِدْقِيَّتِها ونُفُوذِها الإِقْلِيمِيِّ. ومِنْ هُنا، يَتَحَوَّلُ دَوْرُها إِلى مَحاوَلَةِ مَنْعِ كَسْرِ مِيزانِ الرَّدْعِ، لا إِلى إِدارَةِ التَّصْعيدِ كَأَداةٍ تَفاوُضِيَّةٍ صِرْفَةٍ.

أَمَّا الولاياتُ المُتَّحِدَةُ، فَتَبْدو في مَوْقِعِ المُوازِنِ بَيْنَ المَسارَيْنِ: تَفاهُمٍ مَفْتوحٍ مَعَ إِيرانَ، وَهامِشِ حَرَكَةٍ مَيْدانِيٍّ مَتْرُوكٍ لِإِسْرائِيلَ. وفي هذا السِّياقِ، يُمْكِنُ طَرْحُ فَرَضِيَّةٍ أُخْرى، تَذْهَبُ إِلى أَنَّ التَّصْعيدَ الإِسْرائِيلِيَّ قَدْ يَكُونُ، جُزْئِيًّا، ناتِجًا عَنْ سُكوتٍ أَمْرِيكِيٍّ أَوْ تَفْوِيضٍ غَيْرِ مُعْلَنٍ، يَسْمَحُ لِإِسْرائِيلَ بِإِعادَةِ تَشْكيلِ الوَاقِعِ المَيْدانِيِّ، بِما يَنْعَكِسُ لاحِقًا على طَبِيعَةِ أَيِّ تَفاوُضٍ مُقْبِلٍ.

ضِمْنَ هذِهِ الصُّورَةِ المُرَكَّبَةِ، تَبْرُزُ مَسْأَلَةُ مُسْتَقْبَلِ سِلاحِ "حِزْبِ اللهِ" كَأَحَدِ المَفاتيحِ الرَّئِيسَةِ لِفَهْمِ التَّصْعيدِ. فَإِسْرائِيلُ، مِنْ خِلالِ تَكْثيفِ ضُغوطِها، تَسْعى إِمَّا إِلى فَرْضِ إِضْعافٍ بُنْيَوِيٍّ يُفْرِغُ هذا السِّلاحَ مِنْ مَضامِينِهِ الرَّدْعِيَّةِ، أَوْ إِلى تَهْيِئَةِ الأَرْضِيَّةِ لِتَسْوِيَةٍ يُعادُ فيها تَعْريفُ وَظيفَتِهِ وَحُدوده. وفي المُقابِلِ، تَسْعى إِيرانُ إِلى الحِفاظِ على الحَدِّ الأَدْنى مِنْ هذِهِ القُوَّةِ، بِما يَمْنَعُ سُقوطَها كَوَرَقَةِ نُفُوذٍ.

يُمْكِنُ، في ضَوْءِ ذلِكَ، تَصَوُّرُ ثَلاثَةِ مَساراتٍ مُحْتَمَلَةٍ لِمَآلاتِ هذا السِّلاحِ:

أَوَّلًا، مَسارُ "التَّقْييدِ القَسْرِيِّ"، حَيْثُ تُفْرَضُ، بِفِعْلِ الضَّغْطِ العَسْكَرِيِّ، حُدودٌ جَديدَةٌ تُضْعِفُ القُدُراتِ العَمَلانِيَّةَ لِلْحِزْبِ.

ثانِيًا، مَسارُ "التَّثْبِيتِ المُعَدَّلِ"، الَّذي يُحافِظُ فيه الحِزْبُ على جُزْءٍ أَساسِيٍّ مِنْ قُدُراتِهِ، لَكِنْ ضِمْنَ قَواعِدِ اشْتِباكٍ أَكْثَرَ صَرامَةً.

ثالِثًا، مَسارُ "الِاسْتِنْزافِ المَفْتوحِ"، حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّزاعُ دُونَ حَسْمٍ، مَعَ تَآكُلٍ تَدْرِيجِيٍّ في القُدُراتِ.

في المُحَصِّلَةِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّصْعيدَ الإِسْرائِيلِيَّ، خُصوصًا بَعْدَ إِعْلانِ الهُدْنَةِ، لا يَنْفَصِلُ عَنْ مَحاوَلَةِ التَّأْثيرِ في مَسارِ تَفاوُضٍ قَدْ لا تَكُونُ طَرَفًا مُباشِرًا فِيهِ، أَوْ عَنْ رَغْبَةٍ في فَرْضِ وَقائِعَ مَيْدانِيَّةٍ تَسْبِقُ أَيَّ إِلْزامٍ بِوَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ. وبَيْنَ هذَا وذاكَ، يَبْقى لُبْنانُ ساحةً مَفْتوحَةً على احْتِمالاتٍ مُتَعارِضَةٍ، رَيْثَما تَنْجَلي صُورَةُ التَّفاوُضِ النِّهائِيِّ، وَما سَيَحْمِلُهُ مِنْ إِعادَةِ رَسْمٍ لِمَوازينِ القُوَى، وَخُصوصًا لِمُسْتَقْبَلِ سِلاحِ "حِزْبِ اللهِ".