أمّ الغارات على بيروت… "حزب الله" يتوغل إلى خارج العاصمة

أبريل 9, 2026 - 07:03
 0
أمّ الغارات على بيروت… "حزب الله" يتوغل إلى خارج العاصمة

 كتب ريشار حرفوش في "نداء الوطن":

 في مشهدٍ غير مسبوق منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، دخلت الغارات الإسرائيلية على بيروت ومحيطها مرحلةً جديدة، اتسمت بالكثافة والسرعة وغياب أي إنذارات مسبقة، لم تعد الضاحية الجنوبية وحدها ساحة الاستهداف، بل تمدّدت الضربات إلى مناطق خارجها، بما فيها أحياء مختلطة مذهبيًّا وطائفيًّا، في تطوّر يشي بتبدّلٍ خطير في قواعد الاشتباك، ويطرح أسئلة جدّية حول سلوك "حزب الله" وتموضعه المناطقي.

هذه المرّة، لم تأتِ الضربات متفرّقة أو محدودة، بل جاءت كـ "أمّ الغارات"، وفق توصيفٍ عسكري، حيث نُفذت استهدافات متزامنة طالت بنك أهداف واسعًا لدى إسرائيل، في وقت قياسيّ.

وبحسب تقديرات ميدانية، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الضربات حمل طابع الاغتيالات الدقيقة، إضافةً إلى استهداف بنى تحتية عسكرية مرتبطة بـ "الحزب"، وقد عكس تصاعد الدخان الأسود الكثيف من مواقع عدّة، في بيروت وصيدا والبقاع، طبيعة الأهداف المصابة، والتي يُرجّح أنها تضمّ تجهيزات عسكرية حسّاسة.

غير أن الأخطر من ذلك، لا يكمن فقط في طبيعة الضربات، بل في السياق الذي سبقها، فبدلًا من أن يتوغل "حزب الله" في العمق الإسرائيلي ليبرّر ادّعاءه "المقاومة"، تبيّن أنه نقل جزءًا من نشاطه وتموضعه إلى مناطق مدنية مكتظة خارج نطاق الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدّى عمليًا إلى توسيع دائرة الخطر على المدنيين اللبنانيين أنفسهم، هذا السلوك، الذي يرقى إلى مستوى استخدام المناطق السكنية كغطاء، جعل من أحياءٍ كانت تُعتبر آمنة أهدافًا مباشرة في بنك الاستهداف الإسرائيلي.

وفي خضمّ هذه التطوّرات، خرج المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، ليعلن أن "حزب الله" غادر "معاقل الإرهاب" في الضاحية الجنوبية، واتجه نحو شمال بيروت والمناطق المختلطة، وقد أرفق تصريحه بخريطة تُظهر لبنان بأكمله ضمن نطاق الاستهداف، في رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة قد تشهد توسّعًا جغرافيًا غير مسبوق للضربات.

هذا الخطاب، الذي يستند إلى واقعٍ ميداني لا يمكن تجاهله: انتقال عناصر "الحزب" إلى بيئات مدنية خارج قواعده التقليدية، يعرّض هذه المناطق لخطرٍ مباشر، وهو ما يضع "الحزب" أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية جسيمة، إذ إن هروبه من مناطقه الأساسية نحو مناطق مكتظة لا يمكن تفسيره إلا كإمعان في تعريض المدنيين للخطر.

في موازاة ذلك، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن الغارات الأخيرة استهدفت "مئات" من عناصر "الحزب" في مراكز قيادة موزعة في أنحاء لبنان، واصفًا الضربة بأنها الأقسى منذ عملية تفخيخ أجهزة الاتصالات في أيلول 2024، وأشار إلى أن الهجوم نُفذ بشكلٍ مفاجئ ودقيق، استنادًا إلى معلومات استخباراتية جُمعت على مدى أسابيع، بهدف توجيه ضربة عميقة للبنية العسكرية لـ "الحزب".

وبحسب تل أبيب، فإن العملية التي أُطلق عليها اسم "الظلام الأبدي" شملت أكثر من مئة غارة خلال عشر دقائق فقط، واستهدفت مقرّ قيادة تابعًا للأمين العام لـ "حزب الله" نعيم قاسم، ومنظومات نيران، ووحدات نخبوية، بينها "قوة الرضوان" والوحدة الجوية. كما شدّد الجيش الإسرائيلي على أن جزءًا كبيرًا من هذه البنى كان مزروعًا داخل مناطق مدنية، ما يؤكد التحذيرات الإسرائيلية بتلطي "حزب الله" خلف المدنيين كدروع بشرية.

وفي ضوء التأكيد الأميركي والإسرائيلي أن اتفاق الهدنة لا يشمل لبنان، تبدو الوتيرة مرشحة للتصاعد في الأيام المقبلة، بل إن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية تمدّد الاستهدافات إلى مناطق جديدة لم تطلها النيران الإسرائيلية سابقًا، محولًا المناطق الداخلية الآمنة والنائية إلى ركام تفوح منه رائحة الموت.

ومع إطلاق تسمية "الظلام الأبدي" على العملية ضد "حزب الله"، بعد "زئير الأسد" في إيران، يتضح أن إسرائيل تمضي في استراتيجية تصعيدية مفتوحة، لا تضع حدودًا جغرافية واضحة. وفي ظلّ هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى سيستمرّ "حزب الله" في جرّ لبنان إلى مواجهةٍ يدفع ثمنها شعبه، بينما يختبئ خلف المدنيين ويحوّل مناطقهم إلى ساحات حرب؟