كتبت هناء بلال
في بلدٍ تتداخل السياسة مع التنوّع، وتتقاطع الآراء كما تتقاطع الطوائف، لا يبدو الاختلاف استثناءً بل هو القاعدة.
هذا التنوّع السياسي، كما الاجتماعي، يشكّل جوهر الهوية اللبنانية، ويمنحها غناها وفرادتها. لكن هذا الغنى نفسه قد يتحوّل إلى خطر، إذا لم يُضبط ضمن حدود وإذا انقلب من مساحة نقاش إلى ساحة صراع.
لم يغب المشهد السياسي، بكل فسيفسائه، عن اللقاء التضامني الموسّع مع الإعلاميين اللبنانيين، الذي عُقد بعد الاعتداءات الاسرائيلية الأخيرة على الإعلاميين"، بهدف تسليط الضوء على الجرائم الإسرائيلية بحق الصحافيين و سياسة الاستهداف المباشر التي تنتهجها من دون أي تمييز، في ظل سجل دموي حافل بالانتهاكات.
وشهد اللقاء مشاركة واسعة من شخصيات سياسية وإعلامية ونقابية وحقوقية، من بينهم وزير الإعلام بول مرقص، ممثل لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب ملحم خلف، أمين سر نقابة المحامين نديم حمادة ممثلاً النقيب، المدير العام لوزارة الإعلام الدكتور حسان فلحة، رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات إعلامية وهيئات حقوقية ونقابات مدافعة عن الصحافيين .
اللقاء الذي انعقد في مقر نقابة محرري الصحافة اللبنانية في الحازمية، عكس حجم الغضب المتراكم في الأوساط الإعلامية والحقوقية إزاء التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد الإعلاميين في ساحات المواجهة، ولا سيما في جنوب ولبنان، حيث بات الصحافي هدفاً مباشراً للنيران، تماماً كما رجل الإغاثة والطبيب والمسعف.
وافتُتح اللقاء بوقفة رمزية تضامنية مع شهداء الجسم الإعلامي، في مشهد حمل دلالات مؤثرة على حجم الخسارة التي تكبدها الإعلام الحر، وعلى إصرار العاملين في هذه المهنة على مواصلة نقل الحقيقة رغم الأخطار.
وفي الكلمة الأولى، شدد نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي على أن معركة الكلمة مستمرة بوجه الاحتلال، داعياً الدولة اللبنانية إلى تحمّل مسؤولياتها كاملة.مؤكداً أن ما تتعرض له وسائل الإعلام في لبنان يشكل اعتداءً مباشراً على الحقيقة وعلى حق الشعوب في المعرفة.
وقال القصيفي إن الهجمة الإسرائيلية لا تستهدف مؤسسة بعينها، بل تطال كل صوت حر ينقل الوقائع بالكلمة والصورة، مشيراً إلى أن الإعلاميين أصبحوا شهداء للحقيقة في ساحات المواجهة. واعتبر أن هذا الاستهداف المنهجي يفرض موقفاً أخلاقياً ومهنياً واضحاً، يقوم على التمسك بحرية الصحافة ورفض إخضاع الإعلام لمنطق والقتل.
ودعا القصيفي الدولة إلى اتخاذ خطوات عملية، من بينها إعلان قبول التحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم المرتكبة بحق الإعلاميين، والعمل على تشكيل لجنة تحقيق تُعد تقريراً مفصلاً حول نتائج هذه الجرائم والانتهاكات. كما طالب بإنشاء لجنة متابعة تضم وزارة الإعلام ونقابات الصحافة والمحامين، للتنسيق مع الاتحاد العام للصحافيين العرب والهيئات الحقوقية، من أجل الدفع نحو تشكيل إطار قانوني وحقوقي يتابع ما يتعرض له الصحافيون من انتهاكات منظمة.
ورأى أن الواجب اليوم لا يقتصر على الإدانة، بل يستوجب أوسع درجات التضامن بين الزملاء داخل الجسم الإعلامي، ومع كل المؤسسات المهنية والحقوقية العربية والدولية، من أجل حماية الصحافيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم
وأكد وزير الإعلام بول مرقص أن الوزارة تعمل على رفع قضية استهداف الإعلاميين إلى المحافل الدولية، منذ حادثة استهداف المصوّر الصحافي عصام عبد الله ، مشدداً على أن هذه الجرائم لن تمرّ من دون ملاحقة. وأشار إلى أن الوزارة تتابع هذا الملف بشكل حثيث بالتعاون مع الجهات الرسمية والحقوقية، بهدف توثيق الانتهاكات وتقديمها أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يضمن محاسبة المسؤولين وحماية الصحافيين في مناطق النزاع.
ولفت مرقص إلى أن وزارة الإعلام تنسّق بشكل مباشر مع وزارة الخارجية لتقديم شكوى رسمية عقب المجزرة الأخيرة التي طالت الإعلاميين، مؤكداً العمل على حماية الصحافيين في الداخل، ومتابعة هذا الملف مع الجهات المعنية لرفعه إلى المحافل الدولية.
وأشار إلى أن لبنان أثار القضية في اجتماعات منظمة اليونسكو عبر سفيرته ومندوبته الدائمة، كما جرى التواصل مع قوات "اليونيفيل" للبحث في سبل تعزيز حماية الصحافيين في مناطق التوتر.
وأضاف أن الوزارة طرحت الملف أيضاً مع سفارة الاتحاد الأوروبي في بيروت، حيث تم تسليم مذكرة احتجاج رسمية، بهدف متابعة كشف الحقيقة ومناصرة القضية على المستوى الدولي، وصولاً إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
وفي كلمة له، وصف النقيب النائب ملحم خلف الاعتداء على الصحافيين بأنه اعتداء مباشر على مدنيين محميين بموجب القانون الدولي الإنساني، مؤكداً أن الصحافي يُعدّ مدنياً ما دام لا يشارك في الأعمال العدائية.
ولفت خلف إلى أن قرارات مجلس الأمن الدولي شددت على ضرورة احترام الصحافيين وعدم استهدافهم، ومحاسبة المرتكبين، مشيراً إلى أن الميكروفون والكاميرا ليسا سلاحاً ولا يمكن اعتبارهـما هدفاً عسكرياً تحت أي ذريعة.
ودعا خلف إلى التضامن مع عائلات الشهداء والجرحى، معتبراً أن الإدانة الصريحة لكل اعتداء على الإعلاميين ليست خياراً، بل التزام قانوني وأخلاقي يجب التمسك به.
وطالب خلف الدولة اللبنانية بضرورة توثيق الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين توثيقاً قانونياً دقيقاً، والعمل على ملاحقتها أمام الجهات القضائية المختصة، مؤكداً أن دم الإعلاميين ليس مباحاً تحت أي ظرف.
وشدد على أن حرية الإعلام ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً لحماية المجتمعات، لافتاً إلى أن الصحافي يقف في الصفوف الأولى دفاعاً عن الإنسان، فهو لا يصنع الموت، بل يكشفه وينقل حقيقته إلى العالم.
وأكد أن الدفاع عن الصحافي هو دفاع عن الحق نفسه، وعن الإصرار على كشف الحقيقة مهما اشتدت الضغوط، مشدداً على أن الكلمة الحرة لا تُهزم، بل تبقى الصوت الأقوى في مواجهة القمع والعدوان.
وفي كلمة له، اعتبر ممثل نقابة المحامين نديم حمادة أن الاعتداء على الصحافيين يُعد جريمة حرب بموجب القوانين الدولية، نظراً لكونهم مدنيين محميين أثناء تأديتهم لعملهم.
وأكد أن نقابة المحامين مستعدة للوقوف إلى جانب نقابتي الصحافة والمحررين، ومواكبة هذا الملف قانونياً أمام الأمم المتحدة والهيئات الدولية المختصة، بهدف ملاحقة المرتكبين والعمل على تحقيق العدالة للضحايا.
في كلمة له، أكد رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ أن الصحافيين ذهبوا إلى الشهادة في الميدان، في ظل استهداف مباشر ومقصود، معتبراً أن الهدف لم يكن عشوائياً بل جزءاً من سياسة تهدف إلى إسكات الحقيقة.
وأشار إلى أن الإعلام الإسرائيلي، بعد فشله في معركة غزة، لجأ إلى استهداف الإعلاميين ومحاولة تضليل الرأي العام والتلاعب بالمعلومة، نظراً للدور الكبير الذي لعبه الإعلام في كشف الوقائع ونقل حقيقة ما يجري على الأرض.
وشدد محفوظ على أهمية اللجوء إلى القضاء لملاحقة هذه الجرائم، معتبراً أن الهدف من عمليات القتل في الميدان يتجاوز إسكات الصوت الإعلامي، ليصل إلى محاولة إثارة فتنة داخلية.
وفي هذا السياق، دعا إلى تعزيز دور الإعلام الهادئ والمسؤول، والعمل على محاصرة الخطاب الإعلامي المتطرف، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويصون الحقيقة
وفي ختام اللقاء، أُعلن عن كلمة رئيس اتحاد الصحافيين العرب مؤيد اللامي، والتي ألقاها نائب نقيب المحررين الشيخ صلاح تقي الدين، حيث عبّر فيها الاتحاد عن بالغ القلق والألم إزاء الجرائم التي تستهدف الصحافيين في لبنان وفلسطين، مؤكداً أن هذا الاستهداف الممنهج يهدف إلى إسكات الحقيقة وطمس الانتهاكات المرتكبة على الأرض.
وشدد اللامي على أن ما يتعرض له الإعلاميون يشكّل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية التي تكفل حمايتهم أثناء أداء واجبهم المهني، معتبراً أن استهدافهم جريمة موصوفة تعكس نهجاً عدائياً ممنهجاً.
ودعا اتحاد الصحافيين العرب المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته، والضغط لوقف هذه الانتهاكات، مطالباً بإجراء تحقيق دولي فوري ومستقل لمحاسبة المرتكبين ومنع إفلاتهم من العقاب. كما أكد على ضرورة تعزيز الحماية الدولية للصحافيين والمؤسسات الإعلامية، لضمان قدرتهم على أداء رسالتهم بحرية وأمان.