الطبيعة الإجرامية للقوات الأمريكية: تحليل تاريخي ونمطي للقيادة المخزية
كتب باسم الموسوي:
مقدمة
منذ تأسيس الجيش القاري والبحرية القارية، تكرس المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها لمُثُل عليا من الشرف والواجب والوطن. ومع ذلك، فإن التاريخ العسكري للولايات المتحدة يحمل في طياته سجلاً مظلماً ومزعجاً من السلوك الإجرامي وغير الأخلاقي الذي ارتكبه كبار قادتها. كتاب جيفري جاي ماثيوز، "جنرالات وأدميرالات، مجرمون ودجالون"، ليس هجومًا على المؤسسة العسكرية بقدر ما هو تشريح صادم وضروري لظاهرة القيادة المخزية. من خلال سلسلة من دراسات الحالة المفصلة، يكشف الكتاب عن نمط متكرر من الانتهاكات التي تشمل جرائم حرب، وعصيانًا صارخًا، وجبنًا أخلاقيًا، وفسادًا مستشريًا، مما يرسم صورة مقلقة لطبيعة إجرامية راسخة في أعلى هرم السلطة العسكرية الأمريكية. هذا المقال يستعرض هذه الطبيعة الإجرامية من خلال تحليل الأنماط الرئيسية لسوء السلوك التي وثقها ماثيوز، ويجادل بأنها ليست مجرد حالات شاذة، بل هي نتاج ثقافة مؤسسية تعطي الأولوية للفعالية على حساب الأخلاق، وتحمي المذنبين على حساب الضحايا والمبادئ.
جرائم الحرب: الإفلات من العقاب في الصميم
يبدأ ماثيوز رحلته عبر التاريخ العسكري المظلم بحالة الجنرال جاكوب سميث خلال الحرب الأمريكية الفلبينية في مطلع القرن العشرين. أصدر سميث أوامره الشهيرة بـ"القتل والحرق" وتحويل جزيرة سامار إلى "برية عواء"، مما أدى إلى ارتكاب فظائع جماعية بحق المدنيين. ورغم محاكمته العسكرية، كانت العقوبة هينة مقارنة بجرائمه، ولم تتم محاكمة رؤسائه المباشرين الذين شجعوا على هذه السياسات الوحشية. هذا النمط من الإفلات من العقاب للقادة الكبار يتكرر بشكل صادم عبر التاريخ. ينتقل ماثيوز بعد ذلك إلى حرب فيتنام، حيث تورط جنرالات مثل صمويل كوستر في التغطية على مجزرة ماي لاي الشهيرة. تم تخفيض رتبة كوستر، ولكن دون محاكمة عسكرية أو تحقيق شامل في المسؤولية القيادية. يصل هذا النمط إلى ذروته في فضيحة سجن أبو غريب في العراق، حيث تمت إدانة جنود من الرتب الدنيا فقط، بينما بقي الجنرالات مثل جيفري ميللر، الذي نصح باستخدام أساليب وحشية في التحقيقات، دون عقاب بل تمت ترقيته. يخلص ماثيوز إلى أن هناك مشكلة مؤسسية تتمثل في إحجام الجيش عن محاكمة كبار ضباطه بتهم جرائم حرب، مما يخلق ثقافة إفلات من العقاب تشجع على تكرار هذه الجرائم.
العصيان والجبن الأخلاقي: انتهاك العقد المدني العسكري
يمثل الجنرال دوجلاس ماك آرثر النموذج الأبرز للعصيان الصارخ للسلطة المدنية. يتتبع ماثيوز نمطًا من التمرد طوال مسيرة ماك آرثر المهنية، بدءًا من تحديه للأوامر خلال أحداث "جيش المكافآت" في الثلاثينيات، وصولاً إلى عصيانه المباشر للرئيس هاري ترومان خلال الحرب الكورية، مما أدى في النهاية إلى إقالته. يوضح ماثيوز أن هذا النوع من السلوك لا يمثل فقط انتهاكًا للقوانين العسكرية، بل يقوض المبدأ الأساسي للديمقراطية الأمريكية: السيطرة المدنية على الجيش.
وبالانتقال إلى الجانب الآخر من الطيف القيادي، يقدم ماثيوز مثالاً مؤثرًا على الجبن الأخلاقي من خلال قصة الجنرال هارولد ك. جونسون. كرئيس لأركان الجيش خلال حرب فيتنام، عارض جونسون بشدة استراتيجية الرئيس ليندون جونسون في التصعيد التدريجي، معتقدًا أنها محكوم عليها بالفشل وستكلف أرواحًا لا داعي لها. ورغم تفكيره مرارًا في الاستقالة احتجاجًا على هذه السياسة الخاطئة والخداع الحكومي للشعب، إلا أنه تراجع في كل مرة، مقتنعًا بأنه يستطيع إحداث تغيير من الداخل. اعترف الجنرال جونسون لاحقًا بأن هذا التراجع كان "أكبر خطأ في شجاعتي الأخلاقية"، وأنه سيذهب إلى قبره حاملاً هذا العار. يستخدم ماثيوز هذه القصة ليبين أن الصمت في وجه القرارات الخاطئة والخطط الفاشلة هو شكل من أشكال التواطؤ الجنائي الذي يؤدي إلى خسائر بشرية فادحة.
القيادة السامة والفساد: آفة داخل المؤسسة
لا يقتصر السلوك الإجرامي على ساحات المعارك فحسب، بل يمتد إلى المكاتب والممرات البحرية. يقدم ماثيوز مثال الأدميرال هايمان ريكوفر، "أب البحرية النووية"، كنموذج للقائد السام. فعلى الرغم من عبقريته التقنية وإنجازاته التاريخية في تطوير الغواصات النووية، إلا أن ريكوفر اشتهر بأسلوب قيادته القائم على التخويف والإذلال والتنمر. كان يعامل مرؤوسيه بقسوة، ويستخدم الغضب كأداة للتحفيز، مما خلق بيئة عمل سامة استمر تأثيرها لعقود بعد تقاعده. يتساءل ماثيوز: هل يمكن تبرير هذه الوسائل غير الأخلاقية بتحقيق غايات عظيمة؟ يجيب الكتاب بأن القيادة في جيش ديمقراطي تتطلب أكثر من مجرد تحقيق النتائج؛ فهي تتطلب معاملة الجنود والضباط بكرامة واحترام.
أما الفساد المالي والعلني فيصل إلى أوجه في فضيحة "فات ليونارد" التي هزت البحرية الأمريكية في العقود الأخيرة. يروي ماثيوز قصة كيف تمكن مقاول دفاع سنغافوري من إفساد العشرات من كبار ضباط البحرية، بمن فيهم أدميرالات، بالرشاوى والهدايا الفاخرة والمرافقة الجنسية، مقابل الحصول على عقود مربحة ومعلومات سرية عن تحركات الأسطول. هذه الفضيحة، التي وصفها أحد الضباط بأنها ضرر لم تستطع الصين حلمًا بإلحاقه بالقيادة البحرية الأمريكية، تكشف عن مدى انتشار الفساد وضعف الضوابط الأخلاقية داخل المؤسسة. ويشير ماثيوز إلى أن هؤلاء الضباط لم يكونوا بالضرورة أشخاصًا سيئين منذ البداية، بل إن تراكم السلطة والامتيازات أفسدهم تدريجيًا.
الجرائم الجنسية وعمليات التغطية: ثقافة الكراهية والإفلات
يخصص ماثيوز فصلًا صادمًا لفضيحة "Tailhook" عام 1991، حيث قام العشرات من ضباط الطيران البحري ومشاة البحرية بالاعتداء الجنسي على أكثر من 80 امرأة في مؤتمر سنوي. والأكثر إثارة للصدمة من الجرائم نفسها كانت التغطية المؤسسية التي تلت ذلك. فقد قام كبار الأدميرالات، بمن فيهم قائد العمليات البحرية، بالتعتيم على التحقيقات، وتضليل الكونغرس، وحماية الجناة. كشفت التحقيقات اللاحقة عن ثقافة كراهية للمرأة متجذرة في سلاح الطيران البحري، وعن فشل ذريع للقيادة العليا في تحمل المسؤولية. لم تتم محاكمة أي من كبار الضباط، واكتفى البعض بالتقاعد المبكر مع معاشات تقاعدية كاملة. يرى ماثيوز أن هذه الفضيحة تجسيد للطبيعة الإجرامية المزدوجة للجيش: ارتكاب الجرائم من ناحية، والتآمر لتغطيتها من ناحية أخرى.
الخلاصة
"جنرالات وأدميرالات، مجرمون ودجالون" ليس مجرد سرد لقصص فردية، بل هو تحليل عميق لثقافة مؤسسية معيبة. يخلص ماثيوز إلى أن الطبيعة الإجرامية للقوات الأمريكية تنبع من عدة عوامل مترابطة. أولاً، وجود أفراد يعانون من عيوب أخلاقية أساسية، لكنهم ينجحون في التسلق إلى أعلى المراتب بفضل قدرتهم على تحقيق النتائج، في إطار ثقافة تقدس الفعالية على حساب الأخلاق. ثانيًا، قدرة النظام على إفساد حتى الأفراد أصحاب النوايا الحسنة بمرور الوقت، من خلال تراكم السلطة وغياب المساءلة. ثالثًا، فشل المنظومة نفسها في تطبيق قوانينها على كبار قادتها، مما يخلق حالة من الإفلات التام من العقاب.
يقدم الكتاب أدلة دامغة على أن الجيش الأمريكي، المؤسسة التي يفترض أنها تمثل قيم الشرف والنزاهة، يعاني من وباء أخلاقي حقيقي على أعلى المستويات. من جرائم الحرب في الفلبين وفيتنام والعراق، إلى العصيان والجبن الأخلاقي في واشنطن، إلى الفساد والتحرش الجنسي في قواعده وسفنه، تظهر صورة مقلقة لمؤسسة غالبًا ما تفشل في ضبط نفسها. يختتم ماثيوز بدعوة صريحة إلى ضرورة مواجهة هذه المشكلة بجدية، من خلال تعزيز المساءلة الفردية والمؤسسية، وإصلاح أنظمة الترقية والعقوبات، وإعادة التأكيد على المبدأ الديمقراطي الأساسي: أن القادة العسكريين، بكل قوتهم ونفوذهم، ليسوا فوق القانون، وأن خيانتهم للأمانة تعرض حياة الجنود وأمن الدولة للخطر. إن هذا الكتاب هو تذكير قوي وضروري بأن دراسة القيادة السيئة لا تقل أهمية عن دراسة القيادة الجيدة، لأن تجاهل المرض لا يشفيه، بل يسمح له بالتفشي.


