رحيل «عفريتة اسماعيل ياسين »
رحلت الفنانة الاستعراضية كيتي فوتساكي عن 96 عامًا في أثينا، بعد مسيرة حافلة بدأت من مسارح الإسكندرية وتألقَت في كازينو بديعة مصابني وصولًا إلى دورها الأيقوني في «عفريتة إسماعيل ياسين»، لتُطوى برحيلها صفحة من صفحات العصر الذهبي للسينما المصرية.
توفيت صباح اليوم الجمعة الفنانة الاستعراضية كيتي فوتساكي، إحدى أبرز نجمات العصر الذهبي للسينما المصرية في الأربعينيات والخمسينيات، عن عمر ناهز 96 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود بين المسرح والسينما.
ورحلت كيتي في العاشرة صباحًا أثناء نومها داخل منزلها في العاصمة اليونانية أثينا، حيث عاشت سنواتها الأخيرة بالقرب من عائلتها وأحفادها، بعيدًا عن الأضواء التي صنعت مجدها يومًا. وأعلن خبر الوفاة الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، أحد أصدقائها المقربين، مؤكدًا أن رحيلها كان هادئًا بعد حياة حافلة بالعطاء.
وُلدت كيتي فوتساكي (Καίτη Βουτσάκη) في مدينة الإسكندرية لأسرة مسيحية أرثوذكسية من أصول يونانية تعود إلى جزيرة كريت. نشأت في حي الإبراهيمية، وسط بيئة شجعتها مبكرًا على اكتشاف موهبتها في الرقص. وتباينت المصادر حول سنة ميلادها بين عامي 1927 و1931، إلا أن المؤكد أنها بدأت دراسة الباليه منذ طفولتها، ولفتت الأنظار بموهبتها الاستعراضية في سن مبكرة.
في الثالثة عشرة من عمرها، أصبحت أصغر راقصة تقدم عروضًا على المسرح اليوناني في الإسكندرية، وقدمت عرضًا مميزًا أمام الملكة فريدة، ما عزز ثقتها بنفسها ورسّخ طموحها في احتراف الفن.
في منتصف الأربعينيات، انتقلت كيتي إلى القاهرة مع أسرتها، واستقروا في شارع عماد الدين، قلب الحركة الفنية آنذاك. عام 1948، انضمت إلى فريق الراقصات في كازينو بديعة مصابني، الذي كان بمثابة بوابتها الحقيقية إلى الشهرة.
تميزت بأدائها للرقصات الأوروبية، قبل أن تحصل على فرصة مفاجئة لتقديم رقصة شرقية منفردة أثارت إعجاب الحضور، وفي مقدمتهم بديعة مصابني نفسها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تفرض حضورها على ساحة كانت تعج بأسماء لامعة مثل تحية كاريوكا وسامية جمال ونعيمة عاكف.
انطلقت مسيرتها السينمائية بعدما شاهدها المخرج عبد الفتاح حسن خلال أحد تدريباتها، وأسند إليها دورًا في فيلم «الغيرة»، لتتوالى بعدها مشاركاتها في أكثر من 70 فيلمًا.
غير أن الدور الأبرز في مسيرتها كان في فيلم «عفريتة إسماعيل ياسين»، حيث جسدت شخصية العفريتة التي تقلب حياة إسماعيل ياسين رأسًا على عقب. هذا الدور شكّل علامة فارقة في مشوارها الفني، وبقي راسخًا في ذاكرة الجمهور.
وشاركت في أفلام عدة منها «إسماعيل يس في مستشفى المجانين»، «إسماعيل يس في متحف الشمع»، «الظلم حرام»، «لسانك حصانك»، «حياتي أنت»، و«شباك حبيبي». وكان آخر ظهور لها في السينما المصرية عام 1965 من خلال فيلم «العقل والمال».
عام 1965، صدر قرار بإلغاء تصاريح العمل للفنانين من غير المصريين، ما اضطرها إلى مغادرة البلاد والعودة إلى اليونان، بعد سنوات أصبحت خلالها وجهًا مألوفًا في السينما المصرية.
ومع ابتعادها عن الأضواء، بدأت الشائعات تحيط باسمها، خاصة بعد اختفائها في مطلع الثمانينيات، إذ تداول البعض أخبارًا عن وفاتها، بينما كان ذلك في الحقيقة تاريخ اعتزالها. وتعددت الروايات حول أسباب غيابها، بين اتهامات غير مثبتة وحديث عن مرض خطير، قبل أن يتضح لاحقًا أنها اختارت الهجرة والعمل خارج مصر.
اتجهت إلى الولايات المتحدة سعيًا لتحقيق حلم هوليوود، وأسست مدرسة لتعليم الرقص، كما شاركت في أنشطة فنية في
في السنوات اللاحقة، خرج باحثون وكتاب لينفوا شائعات وفاتها أو تورطها في قضايا، مؤكدين أنها كانت على قيد الحياة وبصحة جيدة بعد تجاوزها التسعين عامًا. ونُقل عنها أنها رفضت الظهور الإعلامي أو التقاط صور حديثة، حرصًا على أن تبقى صورتها في ذاكرة الجمهور كما عرفها الناس في أوج شبابها.
رغم ابتعادها، كانت تتابع أخبار جمهورها وتعتز بمحبتهم، لكنها تألمت حين سمعت ببعض الشائعات التي مست اسمها أو مسيرتها في البلد الذي وُلدت فيه وصنعت فيه شهرتها.
برحيل كيتي فوتساكي، تُطوى صفحة من صفحات العصر الذهبي للسينما المصرية. مسيرة بدأت من مسارح الإسكندرية، وازدهرت في كازينوهات القاهرة، وتألقَت على شاشة السينما، قبل أن تنتهي بهدوء في أثينا.
تبقى صورتها كما أرادت دائمًا: راقصة متألقة، ونجمة استعراضية خطفت القلوب، ثم اختارت أن تختفي في صمت، تاركة خلفها ذكرى لا تُنسى.
من الإسكندرية إلى خشبات المسرح
القاهرة.. محطة التحول الكبرى
من الاستعراض إلى شاشة السينما
قرار إداري يغيّر مسار حياتها
وداع نجمة من زمن مختلف


