سلمى مرشاق سليم… سيدة الأرشيف التي حاربت النسيان حتى آخر صفحة

فبراير 25, 2026 - 15:09
 0
سلمى مرشاق سليم… سيدة الأرشيف التي حاربت النسيان حتى آخر صفحة

 

أسدلت الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم الستارة على مسيرة علمية امتدت لعقود طويلة من البحث والتنقيب في تاريخ الأدب العربي الحديث، بعدما رحلت عن 95 عامًا، تاركة خلفها إرثًا معرفيًا ثريًا ومتشعبًا. لم تكن مجرد مؤرخة توثق الأسماء والتواريخ، بل مشروعًا ثقافيًا قائمًا بذاته، كرّست حياتها لحماية الذاكرة الأدبية من التآكل والنسيان.

سيرة عابرة للمدن والحدود

وُلدت سلمى مرشاق سليم في القاهرة لعائلة ذات جذور شامية، ونشأت في بيئة ثقافية جمعت بين الحسّ المصري والامتداد المشرقي. تلقت تعليمها في مدارس القاهرة، قبل أن تتابع دراستها في الجامعة الأميركية في القاهرة، حيث انفتحت على مناهج بحثية حديثة صقلت اهتمامها بالتوثيق والدراسات الأدبية.

انتقلت لاحقًا إلى لبنان بعد زواجها من المحامي والنائب الراحل محسن سليم، لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها بين بيروت والقاهرة. ورغم استقرارها في لبنان، بقيت مصر حاضرة في وجدانها ولهجتها واهتماماتها البحثية، فحافظت على صلة دائمة بالمشهد الثقافي المصري، ونسجت شبكة علاقات واسعة مع أدباء وباحثين من البلدين.

شغف الأرشيف… معركة ضد النسيان

عُرفت مرشاق سليم بولعها الشديد بالأرشيف والوثائق. كانت ترى في ضياع المخطوطات والصحف القديمة خسارة حضارية لا تقل فداحة عن فقدان الأرواح. لذلك، حوّلت منزلها إلى ما يشبه مكتبة مفتوحة، تمتلئ بالكتب والمجلدات والدوريات النادرة، وتستقبل الباحثين الشباب الذين كانوا يجدون لديها مصادر يصعب العثور عليها في المكتبات العامة.

لم يكن اهتمامها بالتوثيق مجرد هواية، بل رؤية ثقافية واضحة تعتبر أن كتابة التاريخ الأدبي لا تكتمل إلا باستعادة الأصوات المنسية والنصوص المهملة. وقد انعكس هذا الهاجس في تقاطع مسيرتها مع مشروع "أمم للأبحاث والتوثيق"، الذي أسسه ابنها الراحل لقمان سليم، إذ بدا المشروع امتدادًا طبيعيًا لإيمانها بضرورة صون الذاكرة الجماعية وتحصينها من العبث والإقصاء.

إعادة الاعتبار لرواد الظل

انصبت جهودها البحثية على تتبع مسارات أدباء ومفكرين من بلاد الشام استقروا في مصر وأسهموا في نهضتها الثقافية، لكن أسماءهم تراجعت في السرديات اللاحقة. خصصت دراسات معمقة لشخصيات مثل نقولا الحدّاد وإبراهيم المصري، وأعادت قراءة تجربة مي زيادة من منظور مختلف، مسلطة الضوء على الجوانب التي همّشها النقد التقليدي.

كانت تبحث دائمًا عمّا هو خارج الضوء، معتبرة أن التاريخ الأدبي لا يُكتب من خلال الأسماء اللامعة فقط، بل عبر استعادة الحلقات المفقودة التي تمنح الصورة اكتمالها. في أعمالها، بدا واضحًا سعيها إلى تصحيح الاختلالات وإعادة التوازن إلى ذاكرة النهضة العربية.

فاجعة شخصية وإيمان لا ينكسر

شكّل اغتيال ابنها لقمان سليم عام 2021 محطة مؤلمة في حياتها، وجرحًا عميقًا لم يندمل. إلا أن الحزن، على ثقله، لم يُبعدها عن الكتب ولا عن الباحثين الذين كانوا يقصدونها طلبًا للمشورة والنقاش. بقيت تؤمن بأن المعرفة فعل مقاومة صامتة، وأن الدفاع عن الذاكرة جزء من مواجهة العنف والطمس.

برحيلها، يفقد المشهد الثقافي العربي واحدة من أبرز حارسات ذاكرته الحديثة، امرأة اختارت أن تعمل بعيدًا عن الأضواء، وأن تجعل من الأرشيف رسالة، ومن التوثيق مسؤولية أخلاقية. غير أن ما أنجزته من كتب ودراسات سيبقى شاهدًا على رحلة باحثة رأت في استعادة الماضي شرطًا أساسيًا لفهم الحاضر وبناء المستقبل.