عديّ بن مسافر: من بعلبك إلى سنجار
كتب باسم الموسوي:
في تاريخ الأديان لا تُقاس الشخصيات بحياتها وحدها، بل بالمسافات التي قطعتها أفكارها. وقلّما نجد سيرةً تلخّص انتقال الروح من سهلٍ إلى جبل، ومن مدينةٍ إلى وادٍ معزول، كما في سيرة عديّ بن مسافر الهكّاري؛ الرجل الذي خرج من بعلبك في القرن السادس الهجري، ليصير اسمه مقرونًا بلالش وسنجار، وبواحدةٍ من أكثر الديانات إثارةً للجدل في الشرق: الإيزيدية.
بعلبك: البداية الصوفية
وُلد عديّ بن مسافر في بعلبك، في بيئةٍ عربية سنّية مشبعة بروح التصوف. كانت بعلبك آنذاك مدينةً عامرةً بالحلقات الدينية والزوايا، وممرًا للطرق التجارية والروحية بين الشام والعراق. في تلك البيئة تشكّلت شخصيته: زاهدًا، عابدًا، ميّالًا إلى الخلوة، ومشدودًا إلى التجربة الروحية أكثر من الجدل الكلامي.
تذكر المصادر الإسلامية أنه كان شيخًا صوفيًا سنّيًا، يلتزم الشريعة ويحثّ على التقوى والانضباط الأخلاقي. لم يكن صاحب دعوة انفصالية ولا مشروعًا سياسيًا، بل أقرب إلى مربٍّ روحي يجمع حوله المريدين. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بما قصده الرجال، بل بما صنعته الأزمنة من حولهم.
الطريق إلى الجبال
ترك عديّ الشام متوجهًا إلى الشمال الشرقي، إلى جبال هكّاري ووديان لالش. هناك، في منطقةٍ وعرةٍ بين الموصل وسنجار، وجد فضاءً مختلفًا: قبائل كردية، موروثات محلية قديمة، بقايا تصوّرات دينية متداخلة بين الزرادشتية والمسيحية والإسلام الشعبي.
في تلك البيئة أسّس زاويةً في وادي لالش. لم يكن المكان مجرد موقع جغرافي، بل صار محورًا روحيًا. توافد عليه المريدون، واستقرت حوله جماعة أخذت طابعًا مميزًا. ومع مرور الوقت، تحوّل الوادي إلى مركزٍ مقدّس، وصار ضريح الشيخ بعد وفاته قبلةً دينية.
من هنا تبدأ الحكاية المعقّدة: كيف تحوّل شيخ صوفي سنّي إلى رمز مركزي في ديانةٍ متميزة؟
بين التاريخ والذاكرة
تُجمع المصادر الإسلامية على أن عديّ بن مسافر كان صوفيًا ملتزمًا بالسنّة. أما في الوعي الإيزيدي، فهو ليس مؤسس الدين، بل مجدّده ومنظّمه. تقول الرواية الإيزيدية إن معتقدهم أقدم من الشيخ، لكنه أعاد ترتيب تقاليده وأعطاه بنيةً مؤسسية، ورسّخ مركزية لالش.
هذا الفارق بين «التاريخ المكتوب» و«الذاكرة الدينية» هو مفتاح فهم شخصية عدي. فالدين، حين يمرّ عبر القرون، يعيد صياغة رموزه وفق حاجاته الوجودية. والشيخ الذي جاء زاهدًا صار في المخيال الجمعي نقطة انعطاف كبرى.
لالش: من زاوية إلى مركز هوية
تحوّلت لالش إلى قلب الإيزيدية النابض. الطقوس، الزيارات، الأعياد، كلها تتمحور حول المكان الذي اختاره الشيخ. حتى اليوم، يعدّ الإيزيديون لالش أقدس مواضعهم، وفيه ضريح عديّ الذي يمثل صلة الوصل بين السماء والأرض في تجربتهم الروحية.
هنا لا يعود الحديث عن رجلٍ واحد، بل عن تأسيس هوية. لقد ساهم وجود عديّ في الجبال في بلورة مجتمعٍ ديني منغلق نسبيًا، يحافظ على طقوسه، وينقل نصوصه شفهيًا، ويبني تسلسله الروحي والاجتماعي حول سلالته.
سنجار: الامتحان التاريخي
من لالش امتدّ الحضور الإيزيدي إلى سنجار، حيث استقرّت جماعات كبيرة منهم. وهناك، في ذلك الشريط الجبلي القاسي، كُتب على أتباع الشيخ أن يعيشوا تاريخًا من العزلة والاضطهاد. تعرّضوا لحملات عسكرية وفتاوى تكفيرية ومجازر متكررة، كان آخرها المأساة الكبرى عام 2014.
في هذا السياق، اكتسبت شخصية عديّ بعدًا إضافيًا: لم يعد مجرد شيخٍ صوفي، بل صار رمز الصمود والهوية والبقاء. فحين يتعرض مجتمعٌ للتهديد الوجودي، يعود إلى رموزه المؤسسة ليجد فيها معنى الاستمرار.
الجدل حوله
كثرت الأسئلة: هل كان عديّ يدرك أن حركته ستتحول إلى نواة ديانةٍ قائمة بذاتها؟ هل كان مشروعه صوفيًا صرفًا، أم أن اندماجه مع تقاليد محلية أقدم أعاد تشكيل تعاليمه؟
بعض الباحثين يرون أن الزاوية الصوفية التي أسسها اندمجت تدريجيًا مع معتقدات محلية، فنتج عن ذلك مزيج ديني خاص. آخرون يؤكدون أن الإيزيدية كانت موجودة قبله، وأنه أعاد إحياءها وتنظيمها.
لكن المؤكد أن وجوده في لالش كان لحظةً فاصلة، وأن مسيرته من بعلبك إلى سنجار ليست مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال في معنى الدين ذاته: من تصوفٍ فردي إلى هويةٍ جماعية.
بين الشام والعراق: معنى الرحلة
تحمل سيرة عديّ رمزية أعمق. فهي تذكّرنا بأن الشرق لم يكن يومًا مقطّع الأوصال. الطرق الروحية كانت تعبره من بعلبك إلى الموصل، ومن الشام إلى كردستان. والأفكار كانت تتنقّل كما تتنقل القوافل.
في زمننا الراهن، حيث تُبنى الحدود على أنقاض الذاكرة المشتركة، تعيدنا قصة عديّ إلى زمنٍ كانت فيه الجبال ملاذًا للروح، لا خط تماس.
الخلاصة
عديّ بن مسافر شخصية مفصلية في تاريخ المنطقة:
شيخ صوفي سنّي من بعلبك،
ومجدّد ديني في لالش،
ورمز هوية في سنجار.
بين هذه المحطات الثلاث تتشكّل قصة دينٍ صغيرٍ في عدده، كبيرٍ في معاناته، عريقٍ في جذوره. ومن يتأمل مسيرته يدرك أن التاريخ لا يصنعه السلاطين وحدهم، بل الزهّاد أيضًا؛ أولئك الذين يتركون المدن، فيجدون في الجبال وطنًا، وفي الصمت عقيدة، وفي الضريح ذاكرة أمة.


