حضور الدولة في الجنوب يقابله رسائل إسرائيلية لمن يهمّه الأمر!
زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى جنوب لبنان تتبعها رسائل إسرائيلية ميدانية عبر تصعيد أمني وخطف في الهبارية، ما يفتح مرحلة اختبار جديدة للدولة اللبنانية بين الضغط الدبلوماسي وتعزيز الانتشار الأمني.
كتبت وفاء بيضون في "اللواء":
لم تمضِ ساعات على زيارة رئيس الحكومة اللبنانية «نواف سلام» على رأس وفد وزراي وإنمائي إلى جنوب لبنان، حتى ردّت «إسرائيل» عبر قنواتها العدوانية بجملة رسائل موجهة الى الداخل والخارج معاً على قاعدة لمن يهمّه الأمر.
سلام اطلق مواقف وطنية حازت على استحسان جميع القوى السياسية في لبنان ومنهم «حزب الله» الذي أثنى أمينه العام الشيخ نعيم قاسم على الزيارة لما حملت من مدلولات إيجابية وطنية في لحظة صعبة يمرّ بها لبنان. الحكومة اللبنانية قاربت دورها انطلاقا من حقّها المشروع في احتضان شعبها ولا سيما ان لبنان التزم تطبيق القرارات الدولية تبعا للخطة المدرجة بانتشار الجيش اللبناني و«حصر السلاح في مرحلته الأولى جنوب الليطاني». في وقت كان ينتظر لبنان من الدول الضامنة والراعية لوقف اطلاق النار دعما سياسيا ولوجستيا لخطوات الحكومة، أتى الرد الإسرائيلي المحمّل بالعديد من الرسائل العابرة لكل الاتفاقات ليجسّد فجر الاثنين التاسع من شباط نمطية «الكيان الإسرائيلي» الذي كشف عن نواياه العدوانية. وبالتالي، ضرب انجازات «الجيش اللبناني» ومعها لجنة «الميكانيزم» عرض الحائط ليتبيّن ان خطة «إسرائيل» ماضية في مشروع التوسع والهيمنة ولا يعنيها ما يقوم به لبنان من التزامات، يفترض أن تشكّل مدخلا لوقف الاعتداءات وإنهاء الاحتلال واستعادة الأسرى والبدء بإعادة الإعمار.
عملية «الهبارية» وخطف مواطن مسؤول سياسي في الجماعة الإسلامية عطوي عطوي، وبعدها استهداف الدولة بأجهزتها الأمنية في «يانوح» بقتل رتيب في الخدمة الفعلية مع نجله وآخر متقاعد، أثبتت ان هذا الكيان عينه على لبنان وليس على ما يزعمه تأمين سلامة سكان المستوطنات في «الجليل الأعلى»، في مسعى منه لاستمرار الضغط باتجاه تطويع القرار اللبناني لما يخدم مصلحته المزعومة.
ترى المصادر المتابعة: «انه وبقدر ما يفترض أن تشكّل هذه الخروقات جزءا من مشهد ما بعد وقف الأعمال العدائية، الذي تعمّدت إسرائيل منذ يومه الأول على التعامل معه بمنطق القوي والمنتصر، مكرّسة لنفسها ما يصفه رئيس وزرائها «بنيامين نتنياهو» بحرية الحركة في لبنان، فإن الأخطر في العملية ليس نتيجتها فحسب بل أبعادها، إذ بدا أن إسرائيل أرادت بهذه العملية نقل المواجهة خطوة إلى الأمام من منطق الغارات والاغتيالات عن بُعد، إلى منطق الخطف داخل القرى الأمامية، وفي عمق الجغرافيا الجنوبية كما حصل في الهبارية في إقليم العرقوب على بعد سبعة كيلومترات عن أقرب نقطة حدودية».
تتابع المصادر: «ليس الحدث بما حصل على الأرض رغم خطورته، وإنما في توقيته ومكانه. فقد جاءت العملية بعد ساعات من زيارة لرئيس الحكومة إلى الجنوب والعرقوب تحديدا، بما يجعل العملية قابلة للقراءة كرسالة ميدانية مباشرة تسعى إلى إحباط وكسر مشهد عودة الدولة التي حاولت الزيارة تكريسها، وما رافقها من مواقف للرئيس «نواف سلام» خاصة عندما قال: «لم ننتظر العدو كي نبدأ بما يستوجب على الدولة القيام به حيال اهل المناطق الجنوبية».
من هنا يتأكد للمراقبين والمعنيين معا، ان هذه العملية تؤشر الى بدء توسيع بنك الأهداف، فالعملية لا تستهدف «حزب الله» مباشرة، بل «الجماعة الإسلامية»، عبر خطف مسؤولها في المنطقة، فعطوي معروف بنشاطه الاجتماعي والإنساني، وتتجاوز رمزيته الموقع التنظيمي إلى حيثية أهلية واجتماعية، ما يضاعف أثر الصدمة في محيطه الذي لا ينظر إليه كمقاتل ميداني بقدر ما يراه مرجعية أهلية، وهنا تكمن خطورة النسق المتصاعد في سلسلة العدوان وتخطيه ديمغرافيا الأشخاص.
لا تُقاس عملية الهبارية بكونها «الأخطر» وحسب، بل بكونها تدخل لبنان في مرحلة اختبار جديدة: هل يترك ملف الجنوب لآلية شكاوى وإدانة، أم تُبنى مقاربة أمنية - سياسية تقلّص هامش المفاجأة وتعيد تعريف الانتشار والحماية في قرى النسق الثاني قبل الأول؟
في المدى القريب، ستسعى إسرائيل إلى استثمار العملية استخبارياً وإعلامياً، فيما ستبحث الدولة عن سبل ضغط دبلوماسي عاجل. لكن ما لم يتحوّل الحدث إلى نقطة انعطاف في إدارة الأمن الحدودي، رصداً واستجابةً واشتباكاً سياسياً مع «قواعد ما بعد وقف النار»، فسيبقى السؤال مفتوحا: هل ما جرى في الهبارية هو «عملية نوعية» عابرة، أم الحلقة الأولى في نمطٍ جديد عنوانه «صيد الأسرى» بدل الاكتفاء بالغارات؟
في المحصلة ما حصل في «الهبارية» سيدخل لبنان في اتون مرحلة جديدة من الاختبار والفحص. فهل تترك الدولة اللبنانية ملف الجنوب ووضعه في ملفات الشكاوى والإدانة، أم ان خطوات تستلزم القيام بها من إعادة تعريف دور الجيش اللبناني كحامي للدولة وسيادته والمدافع عن شعبه. لذلك تبقى هذه العملية ومعها سيل الاعتداءات اليومية والقتل المتنقل سمة المرحلة المحدثة في خطة الكيان الإسرائيلي والرسالة هي لمن يهمّه الأمر!


