فوازير رمضان… ثلاثية البهجة الخالدة: نيللي وشريهان وسمير غانم في ذاكرة لا تموت!
تقرير يستعيد تاريخ فوازير رمضان الأشهر في العالم العربي، ودور نيللي وشريهان وسمير غانم في صناعة أيقونة رمضانية ما زالت حاضرة في ذاكرة الأجيال حتى اليوم.
ارتبط شهر رمضان في وجدان المصريين والعرب بموعد ثابت لا يقل أهمية عن مدفع الإفطار ولا عن صوت التواشيح قبيل السحور، هو موعد الفوازير. لم تكن مجرد حلقات ترفيهية تُعرض في ليالي الشهر الكريم، بل كانت طقسًا جماعيًا يجمع العائلة حول شاشة واحدة، يشارك فيه الجميع في حل اللغز، وينتظرون إعلان الفائز كما لو أن الجائزة تخصهم شخصيًا.
بدأت الحكاية عبر أثير الإذاعة المصرية في خمسينيات القرن الماضي، حين قُدّمت الفوازير بصيغة سؤال وجائزة، يرسل الجمهور إجاباته عبر البريد. كانت الفكرة بسيطة، لكنها جذبت المستمعين بقوة، لأن فيها تحديًا ذهنيًا ومتعة مشاركة. ومع انطلاق التلفزيون المصري مطلع الستينيات، انتقلت الفوازير إلى الشاشة، لتتحول من سؤال يُطرح صوتيًا إلى عرض بصري متكامل يمزج بين الدراما والاستعراض والموسيقى واللغز.
نيللي… الأناقة التي صنعت أيقونة
في منتصف السبعينيات، ظهرت نيللي لتمنح الفوازير هوية جديدة. لم تعد الفزورة مجرد سؤال، بل أصبحت عرضًا استعراضيًا متكامل العناصر؛ أزياء مبهرة، ديكورات فخمة، أغانٍ خفيفة الظل، وأداء تمثيلي راقص يجمع بين الذكاء وخفة الروح. تنقلت نيللي بين شخصيات متعددة، وقدّمت مواسم متتالية رسّخت اسمها كأيقونة رمضانية بامتياز، حتى بات الجمهور ينتظر إطلالتها كل عام كما ينتظر عملًا دراميًا كبيرًا.
شريهان… الاستعراض الذي أبهر العالم العربي
ثم جاءت شريهان في الثمانينيات لتدفع بالفوازير إلى مساحة أكثر جرأة وحداثة. أضفت على الاستعراض طابعًا مسرحيًا أقرب إلى العروض العالمية، مع طاقة جسدية عالية وحضور آسر. في أعمال مثل “ألف ليلة وليلة” و”حاجات ومحتاجات” وغيرها، لم تكن تقدم لغزًا فحسب، بل تبني عالمًا كاملًا من الخيال والحركة والموسيقى. أصبحت شريهان نجمة ليالي رمضان، ورمزًا للبهجة المتقنة الصنع.
سمير غانم… فطوطة الذي خطف القلوب
ولا يمكن أن تكتمل صورة الفوازير دون سمير غانم، الذي قدّم تجربة مختلفة تمامًا بروح الكوميديا الخالصة. بشخصية “فطوطة” التي ابتكرها في أوائل الثمانينيات، خطف قلوب الصغار قبل الكبار. كان حضوره قائمًا على خفة الدم واللعب بالكلمات والمواقف الساخرة، فجعل من الفزورة مساحة للضحك قبل التفكير. وقبل “فطوطة”، كان له مع ثلاثي أضواء المسرح تجربة رائدة جمعت بين المسرح والاستعراض والفكرة اللغزية في قالب مبتكر ومصري خالص.
بمرور السنوات، تنوعت محاولات تقديم الفوازير وتعددت أسماؤها ونجومها، لكن ظلّت تلك المرحلة الذهبية، المرتبطة بنيللي وشريهان وسمير غانم، هي الأكثر رسوخًا في الذاكرة. ربما لأن الأعمال كانت تُصنع بعناية شديدة، وربما لأن الجمهور نفسه كان يعيش طقس المشاهدة بشغف مختلف، أو لأن تلك الفوازير ارتبطت بزمن يحنّ إليه كثيرون.
اليوم، ورغم تغير الوسائط وتعدد المنصات، ما زالت فوازير رمضان تُعاد على القنوات أو تُشاهد عبر الإنترنت، وكأنها تستدعي زمنًا كانت فيه البهجة أبسط، والموعد الرمضاني أكثر دفئًا. لقد تحولت الفوازير من برنامج إلى ذاكرة جماعية، ومن لغز يومي إلى جزء أصيل من هوية رمضان في العالم العربي.


