سيناريوهات متعدّدة الأشكال لدى طهران في حال المواجهة الشاملة مع واشنطن وإسرائيل.. المنطقة معلّقة على خيط رفيع حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية
تحليل سياسي يشرح السيناريوهات المحتملة لرد إيران في حال فشل المفاوضات مع واشنطن، من الصبر الاستراتيجي إلى توسيع المواجهة وإمكانية تهديد مضيق هرمز وتأثير ذلك على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.
كتب حسين زلغوط في "اللواء":
في الوقت التي تجلس فيه طهران وواشنطن على طاولة الحوار، ما تزال فرضية المواجهة المباشرة بينهما ومعهما إسرائيل الى جانب أميركا موجودة، فطهران، التي بنت عقيدتها العسكرية خلال العقود الماضية على مبدأ «الصبر الاستراتيجي» والرد غير المتكافئ، لا تنظر إلى أي هجوم محتمل بوصفه ضربة عسكرية محدودة، بل كبداية مسار تصعيدي متعدد المراحل، يتدرّج من الاحتواء الدفاعي إلى الهجوم المركب، وصولاً إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
في قراءة واقعية لمصادر سياسية مواكبة لما يجري ولديها معطيات معينة عما يمكن أن يحصل في حال فشلت المفاوضات ترى انه في حال وقوع هجوم أميركي أو إسرائيلي، تبدو الأولوية الإيرانية مركّزة على امتصاص الضربة الأولى وتقليص آثارها العسكرية والنفسية. تقوم هذه المرحلة على مزيج من الدفاع الجوي المتعدد الطبقات، والانتشار اللامركزي للمنشآت الحسّاسة، إضافة إلى اعتماد مبدأ «المرونة العملياتية» الذي يسمح باستمرار القيادة والسيطرة حتى في ظل تعرّض مراكز رئيسية للقصف، خصوصا في ظل حديث سابق عن إمكانية استهداف المرشد الأعلى آية الله خامنئي.
في هذا السياق تدرك طهران أن الطرف المهاجم سيحاول تحقيق صدمة استراتيجية تُربك الداخل الإيراني وتُظهر تفوّقاً عسكرياً ساحقاً. لذلك، فإن الهدف الإيراني الأول سيكون منع تحوّل الضربة إلى انهيار معنوي أو سياسي، عبر إعلان سريع عن الجاهزية للرد، وإظهار قدرة على إعادة تشغيل المنشآت أو الحفاظ على القدرات الصاروخية، هذه المرحلة دفاعية في ظاهرها، لكنها تمهيدية لمرحلة الرد الواسع، وبعد تثبيت الجبهة الداخلية، تنتقل إيران إلى استخدام أبرز أوراقها: القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة، حيث وكما هو معلوم لقد استثمرت طهران لسنوات في تطوير منظومة صاروخية متنوعة المدى والدقة، قادرة على ضرب أهداف عسكرية وبنى تحتية حيوية في العمق الإسرائيلي وتجاه المصالح الأميركية والقواعد العسكرية في أكثر من منطقة لا سيما في منطقة الخليج.
في هذا السيناريو، في رأي المصادر لا يكون الرد الإيراني رمزياً أو محدوداً، بل يقوم على مبدأ «الإغراق الكثيف»، أي إطلاق موجات متتالية من الصواريخ والمسيّرات بهدف إنهاك أنظمة الدفاع الجوي لدى الخصم الأميركي والإسرائيلي على حد سواء، وإحداث أضرار متراكمة، والفكرة هنا ليست فقط في إصابة أهداف محددة، بل في خلق ضغط مستمر يربك الحسابات العسكرية والسياسية للخصم، كما أن استخدام المسيّرات منخفضة الكلفة مقارنة بالصواريخ الباليستية يتيح لإيران الحفاظ على وتيرة نيران مرتفعة لفترة أطول، وهنا تتحوّل المواجهة إلى معركة استنزاف، حيث تسعى طهران إلى إثبات أن كلفة استمرار الحرب ستكون أعلى من كلفة احتوائها.
وتقول المصادر أن العنصر الأكثر حساسية في الخطة الإيرانية المحتملة يتمثل في توسيع نطاق الاشتباك عبر الحلفاء المنتشرين في أكثر من ساحة. فإيران على الرغم مما حلّ بالمنطقية من متغيّرات لا تنظر إلى نفسها كقوة معزولة، بل كجزء من شبكة إقليمية تملك أدوات ضغط متعددة، ففي حال تصاعد المواجهة، قد تتحوّل الجبهات المحيطة بإسرائيل أو بالمصالح الأميركية إلى ساحات ضغط متزامن. هذا التوسّع لا يعني بالضرورة إعلان حرب شاملة من جميع الأطراف، بل يمكن أن يأخذ شكل عمليات محدودة ومدروسة، تُبقي الخصم في حالة استنفار دائم وتشتّت موارده العسكرية. والهدف من هذه المرحلة هو نقل المواجهة من إطارها الثنائي إلى فضاء إقليمي أوسع، بحيث يصبح أي تصعيد ضد إيران محفوفاً باحتمال اشتعال جبهات متعددة في آن واحد. إنها معادلة «وحدة الساحات» بصيغتها العملياتية، حيث يتداخل الرد المباشر مع الضغط غير المباشر.
أما إذا استمرت الحرب وتصاعدت حدّتها، فتعرب المصادر عن اعتقادها في ان تلجأ طهران إلى استخدام الورقة الأكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي، تهديد أو إغلاق مضيق هرمز، وربما التأثير على الملاحة في باب المندب عبر حلفائها، حيث يُعد مضيق هرمز وهذا الأمر معلوم للعالم أجمع شرياناً حيوياً لمرور نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والأسواق الدولية، وفي المقابل تدرك ايران أن هذه الخطوة تحمل مخاطر كبرى، إذ قد تستدعي تدخّلاً دولياً واسعاً. لكنها في الوقت نفسه تعتبرها «خياراً أخير» إذا شعرت أن وجودها الاستراتيجي مهدّد. في هذه المرحلة، تتحوّل المواجهة من صراع عسكري إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية، تضغط على العواصم الكبرى لدفعها نحو احتواء التصعيد وفرض وقف لإطلاق النار.
وهذه الخطة الإيرانية المفترضة تعتمد في رأي المصادر السياسية على مبدأ أساسي: جعل كلفة الهجوم عليها باهظة ومتعددة الأبعاد. فالمواجهة، وفق هذا التصوّر، لا تُختزل في تبادل الضربات، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى رهناً بعدة عوامل، أبرزها قدرة إيران على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، ومدى استعداد خصومها لتحمل حرب طويلة. كما أن هامش الخطأ في مثل هذه المواجهات ضيق للغاية، إذ يمكن لأي تصعيد غير محسوب أن يخرج عن السيطرة.
حيال كل ما تقدّم فهذه السيناريوهات لا تعكس بالضرورة رغبة حتمية في الحرب، بقدر ما تكشف عن فلسفة ردع قائمة على التدرّج والتشابك. إنها محاولة لبناء معادلة تقول إن أي هجوما لن يكون حدثاً عابراً، بل بداية مسار تصعيدي يصعب احتواؤه سريعاً. وبين منطق الردع ومنطق المغامرة، تبقى المنطقة معلقة على خيط رفيع، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، وتبقى الحرب الشاملة خياراً قائماً لكنه محفوف بتكاليف قد تتجاوز حدود الإقليم إلى العالم بأسره.


