بعد كلام الرئيس الحريري: هل طارت الانتخابات؟!
في الذكرى الـ21 لاغتيال رفيق الحريري، قراءة في موقف سعد الحريري المعلّق بين الاعتكاف والعودة، ومستقبل الانتخابات النيابية في ظل الجدل حول قانون الانتخاب وخطة شمال الليطاني وتأثير التوازنات الإقليمية والدولية على المشهد اللبناني.
كتب د محمد موسى في "اللواء":
في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال رفيق الحريري، يعود الاسم محمّلاً بما يتجاوز التاريخ إلى معنى الدولة نفسها. فالرجل لم يكن فقط رئيس حكومة قاد ورشة إعمار، بل مشروعاً لإعادة صياغة موقع لبنان في الإقليم والعالم، قائماً على منطق المؤسسات والاقتصاد والانفتاح. لذلك بقي حضوره في الوجدان العام رمزاً لمرحلة اعتبرها كثيرون محاولة جدية لبناء دولة قادرة. وفي هذا السياق، يظل سعد الحريري، على الرغم من انكفائه، حاملاً لجزء من هذا الرصيد العاطفي والسياسي، إذ لا يزال اسمه يستحضر لدى شريحة واسعة فكرة الاعتدال والتوازن الوطني، حتى وإن تبدّلت الظروف وتعثّرت التجربة.
خطاب الذكرى جاء حذراً، محسوب الإيقاع، خالياً من إعلان عودة تنظيمية صريحة، لكنه لم يقطع مع الاحتمال. العبارة المفتاحية فيه كانت قوله إنهم «يبلغونه متى الانتخابات فيخبرهم ماذا سيفعل المستقبل». هذه الصيغة تختصر موقعه الحالي: لا انسحاب نهائي ولا عودة معلنة، بل تعليق القرار على توقيت الاستحقاق. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل انتفت أسباب الاعتكاف أصلاً، أم أن الظروف التي دفعته إلى تعليق العمل السياسي ما زالت قائمة بأشكال مختلفة؟ وهنا السؤال المركزي هل ستصل الانتخابات الى بر الأمان ويجدّد المجلس شبابه؟
داخلياً، الإشكال لا يتصل بفراغ في الرئاسة اليوم كما في الحالات السابقة، إذ يتولى الرئيس جوزاف عون موقعه الدستوري وهو من أول الداعمين لإجراء الانتخابات وربما معه رئيس الحكومة ولكن لا أحد يدري الى أي مدى بالرغم من الرئيس سلام هو من اهل الدولة والمؤسسات، ان الاشكال يتمحور حول قانون الانتخاب، ولا سيما الجدل المتعلق بالدائرة السادسة عشرة الخاصة بالمغتربين. غير أن هذا الخلاف القانوني يبدو أقرب إلى عنوان تقني يخفي خلفه تردداً سياسياً أعمق. فالمناخ العام لا يعكس حماسة انتخابية، بل يوحي بانتظار ثقيل يرتبط بحسابات تتجاوز حدود النصوص. ويعتبر العامل الأكثر تأثيراً في هذا الانتظار هو السياق الدولي والإقليمي. ثمة رغبة دولية واضحة في إعادة ترتيب المشهد اللبناني تحت عنوان حصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل مسار نزع السلاح غير الشرعي، أو على الأقل احتوائه ضمن معادلة جديدة. في هذا الإطار، يُعاد التداول بخطة شمال الليطاني باعتبارها خطوة أمنية - سياسية مفصلية. هذه الخطة، إن مضت في اتجاه تطبيق صارم، لا تمسّ فقط التوازن العسكري جنوباً، بل تفتح الباب أمام إعادة صياغة المشهد الداخلي برمّته، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار العام إذا لم تُدار بتسوية داخلية متوازنة.
هنا يتقاطع البُعد الدولي مع مسألة الانتخابات. فثمة من يراهن على تغيّر المزاج داخل بيئة المقاومة تحت ضغط اقتصادي وسياسي متراكم، ما قد ينعكس على التمثيل النيابي المقبل. في المقابل، لا تبدو هذه البيئة في وارد التسليم السريع بتحولات تُفرض من الخارج. وبين الرغبتين، يقف لبنان في منطقة رمادية، حيث يصبح أي استحقاق انتخابي جزءاً من صراع أوسع على هوية المرحلة المقبلة.
بالنسبة لسعد الحريري، فإن العودة إلى العمل السياسي لا تنفصل عن هذه المعادلة. أسباب الاعتكاف لم تكن شخصية فحسب، بل ارتبطت بتبدل موازين القوى، وبانسحاب دعم إقليمي واضح في مرحلة سابقة، وبشعور بأن التسويات الداخلية لم تعد قابلة للحياة بالصيغة نفسها. اليوم، يبقى السؤال مطروحاً حول رؤية الحلفاء الإقليميين للمستقبل: هل يرون في عودة «تيار المستقبل» ضرورة لإعادة التوازن السنّي والوطني، أم أن أولوياتهم تبدّلت ضمن خرائط إقليمية جديدة تتقدم فيها ملفات أخرى على الساحة اللبنانية؟
في ظل هذا المشهد، يبدو الغموض حول الانتخابات انعكاساً مباشراً لانتظار إقليمي ودولي لم يحسم خياراته، سواء فيما يتعلق بإيران واحتمالات التصعيد أو التهدئة، أو فيما يتصل بمسار الضغط نحو إعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلي. الخلاف على الدائرة 16 ليس سوى تفصيل ضمن لوحة أكبر عنوانها: هل آن أوان إعادة إنتاج السلطة في لبنان، أم أن اللحظة مؤجلة إلى حين اتضاح صورة الصراع والتسويات في المنطقة؟
الخلاصة أن الانتخابات لم تسقط دستورياً، لكنها ليست في مناخ طبيعي يسمح بالجزم بإجرائها وفق إيقاع مستقر. عبارة الحريري تعكس هذا التعليق المتبادل للقرارات: أبلغوني موعد الانتخابات أبلغكم قراري. غير أن القرار الأكبر لا يبدو محلياً بالكامل. طالما أن ملف السلاح، وخطة شمال الليطاني، وانتظار تبدل المزاج داخل بيئة المقاومة، ورؤية الحلفاء الإقليميين لمستقبل لبنان، كلها عناصر لم تُحسم بعد، فإن الاستحقاق يبقى معلقاً بين الإرادة الداخلية وضغط الخارج. وعليه، يمكن القول إن الانتخابات لم «تطر» رسمياً، لكنها رهينة توازنات لم تستقر بعد، وقد يُحسم مصيرها خارج الحدود قبل أن يُحسمها الداخل.


