لماذا يبدو الطفل أكثر تمردًا مع أمه؟
لماذا يبدو الطفل أكثر تمردًا مع أمه؟ تحقيق مجتمعي يشرح الدوافع النفسية لاختبار الصبر، ويكشف كيف تبني هذه اللحظات الثقة والنمو العاطفي.
في بيوت كثيرة، يتكرر المشهد نفسه: طفل يبدو أكثر هدوءًا مع الغرباء أو في المدرسة، لكنه يتحول إلى نسخة أكثر تمرّدًا وحساسية مع أمه. أسئلة لا تنتهي، بكاء لأسباب بسيطة، رفض للتعليمات، أو نوبات غضب مفاجئة.
فهل يتعمّد الطفل اختبار صبر أمه؟ أم أن وراء هذا السلوك تفسيرًا أعمق مما يبدو على السطح؟
هذا التحقيق المجتمعي يحاول تفكيك الظاهرة من زوايا نفسية وتربوية واجتماعية، لفهم ما يحدث فعلًا داخل هذه العلاقة الأكثر حساسية في حياة الطفل.
الأم… مساحة الأمان الأولى
تجمع آراء مختصين في علم نفس الطفل على أن الأم تمثل “القاعدة الآمنة” التي ينطلق منها الطفل نحو العالم. معها يخلع أقنعته الصغيرة، ويُفرغ مشاعره بلا خوف من الرفض.
فالطفل لا يختبر صبر أمه لأنه يستهين بها، بل لأنه يثق بأنها الأكثر احتمالًا له.
هو يعرف بحدسه الفطري أن غضبه لن يُسقط حبها، وأن عناده لن يهدد انتماءه إليها.
من هنا، يتحول ما يبدو كـ “استفزاز” إلى تعبير غير مباشر عن الأمان العاطفي.
بين التحدي والتعلم… ماذا يحدث فعلاً؟
في كل مرة يعاند فيها الطفل أو يكرر السؤال نفسه، هو لا يبحث فقط عن إجابة، بل عن حدود واضحة.
الطفل يتعلم عبر التجربة، والأم هي أول “مرآة” تعكس له نتائج سلوكه.
عندما ترد بهدوء، يتعلم ضبط الانفعال.
وعندما تضع حدًا حازمًا دون قسوة، يتعلم معنى القواعد.
بهذا المعنى، اختبار الصبر ليس معركة، بل مختبرًا صغيرًا يبني فيه الطفل مهاراته الاجتماعية.
الحب غير المشروط… الحاجة الخفية
يشير متخصصون إلى أن الأطفال يختبرون أمهاتهم أحيانًا ليتأكدوا من ثبات الحب.
الرسالة غير المعلنة التي يحملها سلوكهم قد تكون:
“هل ما زلتِ تحبينني عندما أغضب؟ عندما أصرخ؟ عندما أخطئ؟”
التكرار هنا ليس عنادًا خالصًا، بل بحثًا عن طمأنينة عاطفية.
وكل استجابة متوازنة تعزز لدى الطفل شعورًا عميقًا بالقيمة والانتماء.
لماذا يبدو الطفل أكثر هدوءًا خارج المنزل؟
يطرح هذا السؤال كثيرًا بين الأمهات.
الإجابة تكمن في أن الطفل يستهلك قدرًا كبيرًا من طاقته الانضباطية خارج البيت.
يحاول الالتزام بالقواعد المدرسية، وضبط سلوكه أمام الآخرين، فيعود إلى البيت حيث المساحة الآمنة، ويُفرغ كل ما كتمه.
المنزل بالنسبة له ليس ساحة تحدٍ، بل منطقة استراحة عاطفية.
الأم بين الاستنزاف والفهم
ورغم كل هذه التفسيرات، يبقى الواقع أن تكرار “الاختبار” قد يرهق الأم نفسيًا.
فالفهم النظري لا يلغي التعب اليومي.
لذلك يؤكد مختصون أن الحفاظ على الصبر لا يعني تجاهل المشاعر الشخصية، بل إدارة العلاقة بوعي:
-
الهدوء قبل الرد: منح النفس لحظة فاصلة يمنع التصعيد.
-
الحدود الواضحة: الصبر لا يساوي التراخي، بل التوازن بين الحزم والاحتواء.
-
الحديث عن المشاعر: تسمية المشاعر تساعد الطفل على فهمها بدل تفريغها في سلوك عشوائي.
-
العناية الذاتية: الأم المستنزفة يصعب عليها أن تكون مساحة أمان مستقرة.
اختبار الطفل لصبر أمه ليس تحديًا شخصيًا ولا فشلًا تربويًا.
إنه جزء من عملية بناء الذات، وتشكيل الهوية، وتعلم إدارة الانفعالات.
كل موقف يُدار بوعي يتحول إلى درس في الثقة، وكل لحظة صبر متوازنة تبني حجرًا جديدًا في جسر العلاقة.
في النهاية، ليست الأم فقط من تُعلّم طفلها الصبر…
بل هو أيضًا يُعلّمها كيف يتشكل الإنسان حين يُمنح الأمان


