بين إنقاذ الودائع وبيع الأصول: هل يبدأ الاستقرار من القاع؟
كتب د اسامة توفيق مشيمش:
تتداول الأوساط الاقتصادية معلومات عن مفاوضات غير معلنة بين مصرف لبنان ورجل الأعمال الفرنسي–اللبناني رودولف سعادة، مالك CMA CGM، للاستحواذ على شركة طيران الشرق الأوسط (ميدل إيست). وبحسب ما يُتداول، يجري تقييم أولي لأصول الشركة تمهيدًا لصفقة محتملة، في سياق يُربط بمحاولة توفير سيولة تُستخدم في معالجة جزء من أزمة الودائع.
بعيدًا من الجدل السياسي، يفرض هذا المسار سؤالًا اقتصاديًا جوهريًا: هل بيع أصول استراتيجية مملوكة للمصرف المركزي أو للدولة يشكّل مدخلًا للنهوض، أم أنه يكرّس “الاستقرار في القاع” بدل الصعود منه؟
أولًا: من يتحمّل الكلفة؟
جوهر الأزمة المالية في لبنان لا يرتبط بخسارة شركة عامة رابحة أو متعثرة، بل بانهيار نموذج مصرفي–مالي قام على تراكم المخاطر وتضخّم الفجوة بين الالتزامات والأصول. وعليه، فإن تحميل الخسائر يجب أن ينطلق من مبدأ واضح: المسؤولية قبل الملكية. أي أن يتحمّل المساهمون في المصارف، بوصفهم أصحاب القرار والربح خلال سنوات الطفرة، الجزء الأكبر من الخسائر قبل اللجوء إلى بيع ممتلكات عامة.
بيع أصول مثل “ميدل إيست” لا يعالج أصل المشكلة، بل ينقل عبء الخسائر من ميزانيات المصارف إلى المجال العام، أي إلى الدولة والمجتمع. وهذا التحويل غير المباشر يعني عمليًا تحميل المواطنين كلفة إضافية، سواء عبر خسارة ملكية عامة استراتيجية أو عبر تقليص قدرة الدولة المستقبلية على الاستثمار والإيراد.
ثانيًا: الخصخصة في زمن الانهيار
في النظريات الاقتصادية، تُعدّ الخصخصة أداة إصلاح حين تأتي ضمن خطة إعادة هيكلة شاملة، وفي بيئة مستقرة نسبيًا تسمح بتحقيق تقييم عادل للأصول. أما بيع الأصول في ذروة الانهيار، وتحت ضغط الحاجة إلى السيولة، فيحمل خطرًا مزدوجًا:
تقييم منخفض نتيجة ضعف السوق والضبابية السياسية.
بيع أصول منتجة بدل إعادة هيكلة الأصول الخاسرة.
بهذا المعنى، قد يتحوّل البيع من إجراء إصلاحي إلى خطوة انكماشية تُفقد الدولة مصادر دخل مستقبلية، وتكرّس واقعًا اقتصاديا هشًا يعتمد على تصفية الممتلكات بدل توليد القيمة.
ثالثًا: تركّز الملكية ومخاطر الاحتكار
التوسع الملحوظ لاستثمارات رودولف سعادة في قطاعات متعددة داخل لبنان يفتح نقاشًا مشروعًا حول تركّز الملكية في قطاعات استراتيجية. الاقتصاد السليم يحتاج إلى تنوّع وتنافسية، لا إلى انتقال أصول كبرى إلى يد مستثمر واحد مهما كانت قدرته الإدارية. فالتوازن بين جذب الاستثمار الخارجي وحماية البنية الاقتصادية الوطنية مسألة دقيقة، ولا يجوز التعامل معها كخيار تقني بحت.
رابعًا: أي رسالة للمستثمرين؟
إذا كان الهدف هو استعادة الثقة، فإن الرسالة الأهم لا تكون ببيع الأصول، بل بإقرار خطة توزيع خسائر عادلة وشفافة، تتضمن:
إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي،
محاسبة إدارية وقانونية،
حماية صغار المودعين،
ووضع رؤية اقتصادية إنتاجية.
أما بيع شركة وطنية بحجم “ميدل إيست” في ظل غياب إصلاح شامل، فقد يُفهم كإقرار ضمني بأن الدولة عاجزة عن إدارة أصولها، وأن الحل الوحيد هو التخلي عنها.
الخلاصة
إن النهوض الاقتصادي لا يبدأ بتصفية الأصول، بل بإعادة بناء الثقة والمؤسسات. بيع ممتلكات استراتيجية تحت ضغط الأزمة قد يوفّر سيولة آنية، لكنه لا يؤسس لاقتصاد منتج ومستدام. الاستقرار الحقيقي لا يكون في القاع، بل في مسار صعودي مبني على العدالة في توزيع الخسائر، وحماية الملكية العامة، وإطلاق مشروع إصلاحي شامل.
وإلا، فإننا لا نكون أمام خطة إنقاذ، بل أمام إدارة منظّمة للانحدار.


