روتين الطفل… أمان يصنع الثقة أم تكرار يسرق الدهشة؟

هل يمنح الروتين الطفل شعورًا بالأمان أم يحدّ من فضوله؟ تحقيق يرصد أهمية التوازن بين الثبات والمرونة في بناء شخصية الطفل وتنظيم يومه.

فبراير 13, 2026 - 13:50
 0
روتين الطفل… أمان يصنع الثقة أم تكرار يسرق الدهشة؟

 

يثير الروتين اليومي للطفل جدلًا متكررًا بين الأهالي والمختصين في التربية، فبين من يراه عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستقرار النفسي، ومن يخشى أن يتحول إلى نمط مكرر يقتل الفضول ويغذي الملل، تتشكل مساحة وسطى أكثر واقعية: الروتين ليس المشكلة، بل طريقة تطبيقه هي التي تصنع الفارق.

في سنواته الأولى، يحتاج الطفل إلى قدر واضح من الثبات والتوقع. اليوم المنظم، بمواعيد شبه ثابتة للنوم والطعام واللعب، يمنحه شعورًا بالأمان ويخفف من قلق المفاجآت أو الفوضى. فعندما يعرف الطفل ما الذي سيحدث لاحقًا، يشعر بأن العالم من حوله مفهوم ويمكن الاعتماد عليه، ما ينعكس هدوءًا في سلوكه وتراجعًا في نوبات التوتر. وتشير آراء مختصين في علم نفس الطفل إلى أن الروتين المنتظم يسهم في تحسين جودة النوم، وتنظيم السلوك، وتقليل الصراعات اليومية داخل الأسرة، خاصة في المراحل المبكرة من الطفولة.

غير أن الدور الإيجابي للروتين قد يتراجع عندما يتحول إلى نظام جامد لا يسمح بأي تغيير. فرض جدول صارم لا يراعي الحالة النفسية للطفل أو حاجته الطبيعية للتنوع قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالطفل، مهما كان عمره، يحتاج إلى مساحة للاختيار والتجربة. وعندما يصبح يومه نسخة مكررة بلا أي عنصر جديد، قد يبدأ الملل بالظهور، ويتحول الروتين من أداة تنظيم إلى مصدر ضغط. في هذه الحالة، قد تبرز مؤشرات مثل فقدان الحماس، أو مقاومة الأنشطة اليومية، أو التوتر عند أي تغيير طارئ، وهي إشارات تعكس حاجة للتجديد أكثر مما تعبّر عن سوء سلوك.

من هنا يبرز مفهوم “الروتين المرن” بوصفه الحل المتوازن. وهو نمط يحافظ على هيكل اليوم دون أن يلغي العفوية. فمثلاً، يمكن تثبيت موعد النوم والاستيقاظ، مع تنويع النشاط الذي يسبق النوم، أو تحديد وقت ثابت للعب مع ترك حرية اختيار نوع النشاط. بهذه الطريقة، يبقى الروتين مصدر أمان، من دون أن يشعر الطفل بأنه مقيد.

وعلى خلاف الاعتقاد السائد، لا يحد الروتين الصحي من استقلالية الطفل، بل يعززها. عندما يفهم الطفل إيقاع يومه، يصبح أكثر قدرة على تحمّل المسؤولية واتخاذ قرارات ضمن حدود واضحة. ومع تقدمه في العمر، يمكن إشراكه في ترتيب يومه واختيار بعض أنشطته، ما يعزز ثقته بنفسه ويشجعه على التعاون بدل المقاومة.

كما أن احتياجات الطفل تتغير باختلاف العمر. فالصغار يحتاجون إلى تكرار أوضح وثبات أكبر، بينما يحتاج الأكبر سنًا إلى مرونة أوسع ومساحة للتجربة. الروتين الناجح هو ذاك الذي يتطور مع الطفل، لا الذي يبقى ثابتًا رغم تغير احتياجاته.

في النهاية، الروتين اليومي ليس وصفة جاهزة للنجاح أو الملل، بل أداة تربوية تتحدد قيمتها بمدى التوازن بين الثبات والتجديد. فالطفل لا يحتاج إلى أيام متطابقة تمامًا، ولا إلى فوضى كاملة، بل إلى إيقاع يومي يمنحه الطمأنينة، ويترك له مساحة ليكتشف العالم بطريقته الخاصة.