غسان مراد: الذكاء البشري ابتكار و الذكاء الاصطناعي تكرار!

فبراير 10, 2026 - 20:15
 0
غسان مراد: الذكاء البشري ابتكار و الذكاء الاصطناعي تكرار!

حاورته:ليندا نصار 

يُعدّ غسان مراد من أوائل المتخصصين في حوسبة اللغة العربية والذكاء الاصطناعي، وهو من أدخل تخصص اللسانيات الحاسوبية إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. التقينا به لاستطلاع رأيه الحالي في ظل الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بخاصة وأنه يُعتبر من رواد هذا الاختصاص في العالم العربي.

تتنوع مقالاته بين علميّة وإعلاميّة، وكتبه حول هذا الموضوع تحظى بانتشار واسع، لتركيزها على تبسيط العلوم التقنية باللغة العربية وعلى خلفية محاولته نحت وتعميم مصطلحات جديدة في المجال الرقمي. وينبع هذا التوجه من قناعته الراسخة بأن اللغة العربية بخير دائمًا، وأنها لغة العلوم بامتياز، ومن ضرورة إثراء المحتوى الرقمي العربي من قبل العاملين في هذا المجال. وتكمن أهمية ذلك في دعم اللغة من جهة، وضمان توافق التطبيقات الذكية المزمع تنفيذها عربيًا مع اللغة والقيم العربية من جهة أخرى. كان هذا اللقاء بهدف الوقوف على أبرز المحطات البحثية والمعرفية والأكاديمية في هذا المجال، فالذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا للتسلية، بل أصبح من ضروريات الحياة انطلاقًا من مقولته: "الذكاء البشري ابتكار، أما الذكاء الاصطناعي فهو تكرار..."، مع وضعه ثلاث نقاط للتأكيد على صعوبة التنبؤ الحتمي بمستقبل هذا المجال، برغم إيمانه بحتمية التقنيات كمسبب أساسي للتغيرات.

من إصداراته:

"مرايا التحولات الرقمية والتمثلات الذهنية للذكاء الاصطناعي"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2022.

"الاتصال بين الالتزام والإلزام"، إعداد، تحرير وتقديم. دار النهضة، بيروت، 2020.

"الترقيم والتنقيط والإعجام في اللغة العربية- السياق التاريخي والدلالي". دار النهضة، بيروت، 2020.

"دهاء شبكات التواصل، وخبايا الذكاء الاصطناعي"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2019.

"الإنسانيات الرقمية: ترويض اللغة في سبيل معالجتها آليًا"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2024.

وسيصدر له قريبًا كتاب "أصوات بلا ذاكرة: اغتراب المعنى والوعي في ذكاء الآلة"، عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت. 

 في البداية، بما أنّك متخصّص في حوسبة اللّغة، لماذا اخترت هذا الاختصاص تحديدًا؟

على الرغم من أني تخصصت في هندسة الكومبيوتر، لم يبارحني شغف العلوم الإنسانيّة، فسعَيت للجمع بين ما أحبّ واختصاصي. تابعت دراساتي العليا في اللّسانيّات، ثمّ درست علوم الاتصال، وجمعت هذه المجالات كلّها في أطروحة دكتوراه واحدة. وشارك في الإشراف عليها أساتذة من الإعلام والمعلوماتية واللسانيات، وقد أنجزَتها باللغة الفرنسية. وهكذا، تمكنت بعد مسار طويل، من الجمع بين هذه الاختصاصات في مجال واحد جديد نسبيًّا. وقد شكّل ذلك تحدّيًا كبيرًا بالنسبة إلي، لأنّ اللّغة تقوم على صياغة متعدّدة المعاني، فيما المعلوماتيّة لا تقبل الالتباس وتقوم على معنى واحد محدّد: إمّا صحيح 1 وإمّا خطأ 0، اللغة الثنائية التي تتناسب مع البنية الفيزيائية للحاسوب.

ما اكتسبته في السوربون، دفعني إلى التفكير في العودة لنقل هذه المعرفة إلى لبنان. في حينه كان يوجد اختصاص في اللسانيات والتواصل كان قد تأسس عام 2000. بناء على اقتراح الزملاء المؤسسين عدت إلى لبنان والتحقتُ بقسم اللسانيات عام 2003-2004 وعدّلت المناهج وأدخلتُ اختصاصًا هو حوسبة اللغة، أو اللسانيات الحاسوبية بما يتناسب مع التغيرات التقنية التي أصبحت مشرعة للجميع وخصوصًا في مجال العلوم الإنسانية.

هل هذا الاختصاص محصور بخلفية علميّة محددة؟

إطلاقًا، فهو مفتوح أمام المقبلين ابتداء من مرحلة ما بعد الثانوية العامة. وفي مرحلة الماجستير يمكن للقادمين من أي اختصاص أن يلتحقوا بهذا المجال وهو يؤهل إلى اللسانيات والتواصل والمعلوماتية. الغاية الأساسية كانت جمع هذه الخلفيّات الثلاث، لأنّ العالم قائم على ثلاثة أعمدة: اللغة، والمعلوماتية، وعلوم الاتصال. وأقصد بالمعلوماتيّة هنا: الذّكاء الاصطناعي، والتحوّل الرقمي، والخوارزميات... أصبح هذا الفرع موجودًا في مركز علوم اللغة والتواصل الّذي أسّستُه، وهو تابِعٌ لكلّيّة الآداب في الجامعة اللبنانية. وهنا، لا بدّ من تغليط الفكرة التي تزعم أنّ طالب الآداب أقلّ قدرة من طالب العلوم. لا شكّ في أنّ الذّكاءات متعددة، لكن كلّ من يمتلك المنطق والقدرة على التحليل وتفكيك المسائل يمكنه التّعامل مع الخوارزميات.

"كانت علامات الترقيم تستعمل في السابق عشوائيًّا، لكن مع ظهور الطباعة ظهرت ديمقراطية الكتابة، وديمقراطية الصحافة، وأصبحت هناك معايير واضحة لعلامات الترقيم"

 كيف ترتبط حوسبة اللغة بالذكاء الاصطناعي؟

داخل الذكاء الاصطناعي يوجد التعلم الآلي، وضمن التعلّم الآلي نجد التعلّم العميق، وجميع هذه المستويات تتقاطع عند حوسبة اللغة. فحوسبة اللغة تشكّل نواة الذكاء الاصطناعي. وقد بدأ هذا المجال يتطور فعليًّا عام 1956.

 انطلاقًا من رؤيتك التي تعتبر أن المعنى الدلالي المتغيّر للكلمة هو خوارزمية قائمة بذاتها، ما هي علاقة الخوارزمية بتحليل النصوص وبربط المعنى بالسياق (المعنى الدلالي)؟ وكيف تفسّر هذا الامتداد التاريخي بين الفلسفة والمنطق والرياضيات وحوسبة اللغة؟

إنّ المعنى الدلالي للكلمة الّذي يتغير حسب السياق، هو خوارزميّة بحدّ ذاته. وهذه الخوارزمية موجودة منذ زمن أرسطو. والمثال الكلاسيكيّ هو: كلّ إنسان فانٍ، وسقراط إنسان، إذًا سقراط فانٍ. هذا المنطق القياسيّ الذي وضعه أرسطو، انتقل لاحقًا من مجال الفلسفة إلى الرياضيات على يد عالم المنطق جورج بول، الذي صاغ المعادلات الرياضية، وبعدها بُنيت جميع الخوارزميات على هذا المبدأ المنطقي.

أمّا الفائدة التي تزوّدت بها من جامعة السوربون، فهي إدراك الفجوة في تعليم المعلوماتية في كليات الآداب في العالم العربي، حتى في باريس. واكتشفت هذا الخلل، حين بدأت تعليم مادّة المعلوماتية لطلّاب اللغات. فالمعلوماتية بوصفها علمًا وليس "أكسسوار" مرتبطًا باللغة والتواصل، تراها غير مُدرَجة في مناهج ما بعد البكالوريا، خصوصًا في كلّيات الآداب في العالم العربي باستثناء لبنان. ولهذا، أحرص دائمًا في الندوات واللقاءات على التشديد على ضرورة إدخال المعلوماتيّة في الجامعة، والتعامل معها على أنّها علمٌ قائمٌ بمنهجه ومفاهيمه، لا أداة تقنيّة وحسب. غير أنّ هذا التوجّه لا يزال بعيدًا، بسبب نقص الكوادر المؤهلة المتعدّدة الاختصاصات.

التحول الرقمي هو الثورة الرابعة في عالم المعرفة

 تتحدّث عن أربع ثورات معرفيّة كبرى: اللغة، والكتابة بوصفها ذاكرة خارجيّة، ثمّ الطباعة، وصولًا إلى الثورة الرقميّة التي أعادت تشكيل مفاهيم المعرفة والزمن والقراءة والتواصل. انطلاقًا من هذا المسار التاريخي، كيف تقيّم أثر الثورة الرقميّة اليوم على بنية التفكير الإنساني نفسها، لا على أدواته فقط؟

كانت الثورة الأولى عندما خلق الإنسان اللغة، أي ولّدها ومنح الأصوات معاني، وأطّرها واضعًا لها معايير لغويّة قائمة على مجموعة من الرموز. ثمّ اخترع الكتابة، فكانت المرحلة الثانية من تمثيل المعرفة، أي تمثيل الأصوات في الدماغ. لذا، تُعدّ الكتابة الشكل الأوّل لأشكال الذاكرة الخارجية. فالذاكرة التي نستند إليها اليوم، هي البريد الإلكتروني، والرسائل، والرسومات وغيرها... كلّها أشكال من الذاكرة الخارجية ثمّ جاءت ثورة الطباعة وأحدثت تغييرات إضافية. على سبيل المثال، كانت علامات الترقيم تستعمل في السابق عشوائيًّا، لكن مع ظهور الطباعة ظهرت ديمقراطية الكتابة، وديمقراطية الصحافة، وأصبحت هناك معايير واضحة لعلامات الترقيم، ومؤلّفات توضح مواضعها وكيفيّة استعمالها. كما أنّ العاملين في الطّباعة في دور النشر، كانوا يجزِّئون النصوص، وهذه التجزئة تنطبع في الدماغ لأنّها تساعده على الاستيعاب والتمييز. فكما يؤكّد الفلاسفة، إنّ كلّ عمليّة فهم يجب أن تجزّأ إلى عمليات صغيرة، لفهم العمليّة الكبرى. وعبر هذه الثورة الثالثة، انتقلنا من القراءة الجهورية إلى الصامتة، وأقفل الباب على القراءة الجماعية والنسخ اليدويّ. ثمّ وصلنا إلى الثّورة المعرفية الرابعة، وهي ثورة التكنولوجيا، التي بدأت مع أعمال شانون، بعد مراحل سابقة من مكننة العمليات المتكررة. فالمعلوماتية هي مكننة كلّ ما يتكرّر. ومع الزمن، اتّخذت المكننة شكلها الرقمي، وترافق ذلك مع التطوّر في الفيزياء، ما أدّى إلى تطوّر الإلكترونيات. وبطبيعة الحال، كلّ ثورة معرفية تفرض مفاهيم جديدة، إذ لا يمكن معالجة مسائل حديثة مستجدّة بمفاهيم قديمة لا تجاريها. ومن هذه المفاهيم الجديدة، أذكر مثلًا الهاشتاغ والبودكاست. كما أعدنا تشكيل مفاهيم كانت موجودة، وتوظيفها لتتناسب مع الرقمنة. فأصبح الإعلام رقميًّا، والرّسائل رقميّةً، والتواصل رقميًّا، كذلك الديمقراطية والاستبداد والعدالة، حتّى المواطنة والهويّة. كلّ هذه المفاهيم، ارتكزنا فيها على نظام المعرفة، أي الإبستمولوجيا لدراسة أيّ موضوع، ثمّ انتقلنا إلى ما أدعوه الميتا-إبستيمولوجيا، يعني ما وراء فهمنا الحاليّ الميتا-إبستيمولوجيا تنتقي من المفاهيم السابقة، وتضيف إليها عناصر جديدة، لكي نعي ما يحدث في عالم المصطلحات والتحولات المعرفية.

لنأخذ القراءة الرقمية مثالًا: فالقراءة من الناحية الإبستيمولوجيّة لها بنية معقّدة: كيف يقرأ الإنسان؟ كيف يتتبّع النص؟ كيف يفهم الكلمات؟ كيف يربط ويحلّل؟ تتجلّى منظومة كاملة لفهم عملية القراءة. بيد أنّ القراءة الرقمية، قد غيّرت هذا النهج وطريقة فهم المقروء. لم تعد القراءة خطيّة قطّ، إنّما صارت مسحيّة، بحيث يمسح القارئ النص مسحًا سريعًا، فضلًا عن القراءة العموديّة، أي التخلي عن القراءة المتسلسلة التقليدية. يمكنني القول، إنّ الشّخصنة اختفت من أشكال التّواصل. في الماضي، كانت المعايدة شخصيّة، برسائل فرديّة، أمّا اليوم فتُرسَل صورة معايدة واحدة إلى الجميع بضغطة زرّ ولهذا تأثير مباشر في الوقت.

"اللغة في أساسها ونظامها، مرئيّة وغير مرئيّة. نقصد بالمرئيّة حركات الجسد ولغة الإشارة، وبغير المرئيّة نقصد الإشارات العصبيّة في الدّماغ"

لقد تناولتُ هذا الموضوع في مقدّمة بعنوان "دكتاتوريّة الوقت" لمجلة "البحرين الثّقافيّة". كان من المفترَض أن تخفّف التكنولوجيا من عبء العمل على الإنسان، ليجد وقتًا للرّاحة والتفكير، لكن ما حدث هو العكس: صار العمل يرافق الإنسان إلى بيته. وهذا يشكّل آفة حقيقيّة. ففي النظام الرأسمالي والصناعي، يعمل الإنسان أحد عشر شهرًا ليجمع ما يكفي لعطلة قصيرة، ثمّ يعود ليفكّر بالعطلة المقبلة، ويدور في فلك صراع مع الزمن، وهذا ما أسمّيه دكتاتورية الوقت. 

إنّ المصطلحات الجديدة، وهي غزيرة، يجب ضمّها إلى مختلف العلوم الإنسانيّة الّتي تحتاج اليوم إلى مناهج حديثة تختلف عن السابقة، لفهم التحوّلات الرّاهنة. هذا ما أسمّيه "الإنسانيات الرقمية" أي تجديد العلوم الإنسانية من دون إلغائها. لن يندثر التاريخ (على سبيل المثال)، لكن طريقة فهمه ستتغيّر، وكذلك في الجغرافيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، بخاصّة بعد أن أصبحت التكنولوجيا متاحة ومنخرِطة في مجلات المعرفة.

هذه كلّها من مظاهر التحوّل الرقميّ، الذي يُبنى على أساس هو المعلوماتيّة، بوصفها البنية التحتية للتكنولوجيا المعاصرة. لذلك، ينبغي لنا فهم كيفيّة استخدام هذه الأدوات في مجال علم الجغرافيا مثلًا، وأن يكون الجغرافي واعيًا للبرامج، خصوصًا مع ثورة الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع التي غيّرت علم الجغرافيا نفسه، والعلوم كلّها. ولهذا، أناضل في الجامعات العربية، لا سيّما في كليات الآداب، لتحديث هذه العلوم لتتلاءم مع التحولات المعرفيّة والتي تحتّتّم تشكيل منظومة جديدة من المفاهيم.

 يتناول بعض الكتّاب مسألة الوعي الرّقمي وإمكانات الخلود، عبر افتراض نقل وعي الإنسان وعقله إلى الآلة وحفظهما فيها. لو كانت هذه الفكرة شائعة في الزّمن الماضي، لربّما كانوا فكّروا بتخليد فكر أينشتاين عبر حفظه وتشغيله عبر الحاسوب. هنا يبرز السّؤال: كيف يمكن فهم التّرابط، الّذي يتحدّث عنه هؤلاء الكتّاب، بين الذكاء الاصطناعي وفكرة الخلود؟

دائمًا ما كان مفهوم الخلود مرتبطًا جوهريًّا بالفكر الإنسانيّ. فعندما نقول إنّ أمّ كلثوم خالدة، نعني بذلك إرثها الفني وغناءها، لا جسدها. الخلود الحقيقيّ لأيّ إنسان، هو إنتاجه وإسهاماته التي يتداولها النّاس بعد غيابه. والحال نفسها بالنسبة إلى المفكّرين، فخلودهم قائم على إنتاجهم الفكريّ المؤثِّر. أمّا الإنسان الحاضر بجسده من دون إنتاج، فلا خلود له.

 هل تعني أنّ الخلود منوط بإمكانية حفظ الفكر واستمراره؟

بالتّأكيد، لكن من النّاحية التقنيّة أصبح ممكنًا قراءة أفكار الدّماغ. هناك تجارِب قائمة في مجال الجهاز العصبي، خصوصًا لمساعدة مَن يعانون صعوباتٍ في النطق والمخاطبة. توضع على رؤوسهم آلة تلتقط إشارات دماغيّة رقميّة، ثمّ تُدرَّب الآلة في ربط كلّ إشارة بمعنى محدّد. أي إذا فكّر الشّخص بالكلمة ذاتها لاحقًا، تظهر على الشاشة الإشارة ذاتها، وبذلك يُستَدلّ على الفكرة التي تدور في ذهنه. وقد حقّقت هذه التجارب نجاحًا يتراوح بين سبعين وثمانين في المئة.

 هل هناك أمثلة تطبيقية يُبنى عليها؟

من الأمثلة المعروفة، أشخاص أصيبوا بشلل شبه كامل - مثل الدّكتور جميل زغيب - لكن عبر أجهزةٍ متخصّصة تعتمد على حركة العين والإشارات العصبيّة، تمكّن من إلقاء محاضرات والتفاعل مع الآخرين.

وكيف يرتبط هذا كلّه باللغة؟

اللغة في أساسها ونظامها، مرئيّة وغير مرئيّة. نقصد بالمرئيّة حركات الجسد ولغة الإشارة، وبغير المرئيّة نقصد الإشارات العصبيّة في الدّماغ. نحن لا نرى هذه الإشارات، إنّما نلاحظ مُخرجاتها، فعندما يتحرّك الشّخص أو يرمش مثلًا، تستطيع الآلة تفسير الحركة عبر رموز ذات معنى، على نحو يشبه لغة الإشارة لدى الصّمّ والبكم.

نحن نعرف أن اللغة مرتبطة في مناطق معيّنة من الدّماغ، نعرف أنّ هناك تنسيقًا بين نصفَي الدّماغ، وأنّ حركة الجسد تترافق مع نوع الكلام، لكن تحويل هذه العمليّات إلى معادلات دقيقة أو إلى رموز رقميّة (صفر - واحد) ما زال أمرًا غير مكتمل الفهم حتى الآن.

 إذًا هل نحن قريبون من ذكاء اصطناعيّ كامل؟

لا ذكاء اصطناعيّ حقيقيًّا حتّى الآن. لا مناصّ من أنّنا نملك تطوّرات سريعة وتوقّعات كبيرة، وبعضها يفترض في المستقبل إمكانيّة تخزين الفكر الإنسانيّ. لكن هل فكر الإنسان مجرّد ذاكرة يمكن حفظها؟ وهل المعرفة تُختصر بمجموعة من البيانات؟ أميّز هنا، بين أربعة مستويات: البيانات، والمعلومات، والمعرفة، والحكمة. فالبيانات هي موادّ خام لا تؤدّي معنىً بذاتها. والمعلومات هي نِتاج لمعالجة البيانات وفق قواعد معيّنة. والمعرفة هي منظومة القواعد الّتي تمكّننا من إنتاج المعلومات. أمّا الحكمة، فهي القدرة على توظيف المعرفة في السياق المناسب، وهي لا تُختزل بسهولة في صِيَغ رياضيّة أو رقميّة.